هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

19

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

محا آية نسج الجنوب مع الصبا … وأسحم دان صادق الوعد صيب

وآية جمع آية ونسج والهاء للمنزل الجنوب مع الصبا تخالفهما كتخالف الطعم والغزل لتقابلهما ، فيدخل كل فى الآخر ، فالجنوب ريح من ناحية سهيل عن يمين مستقبل المشرق ، ولاصبا ريح من المشرق ، والأسحم السحاب الأسود والدانى القريب من الأرض ، سمى كونه يحال يطمع فى أمطاره مطراً نافعاً وعدا تنزيلا لحالة منزلة النطق بوعد الأمطار ، فوصفه بصدق الوعد ، والصيّب الكثير الأمطار وتلك الصفات أولى بالسحاب ، فحمل الصيب عليه أولا ، وإن كان يجوز حمله على المطر باطلاق أوصاف السحاب على المطر مجازاً لتقاربهما غالباً ، والأكثر فى الآية على المراد المطر وهو تفسير مجاهد ، وكان A إذا استسقى قال : « اللهم صيباً هنيئاً » وأصله صيوب بفتح الصاد وإسكان الياء الزائدة وكسر الواو ، اجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة منهما فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء فوزنه فيعل بذلك الضبط ، ويجوز أن يكون أصله صويبا بوزن كريم ، قدمت الياء على الواو فكان الاجتماع المذكور فالإدغام المذكور ، وسكون الياء قبل التقديم ميت لكونها بعد الكسرة ، وبعده حى لكونها بعد فتحة ، فوزنه على هذا قبل التقديم فيعل ككريم ، وبعده بحسب اللفظ فيعل وفيه فى سيد من الأوجه ، وقد ذكرتها فى شرح عصام الدين ، ونكر الصيب تعظيماً لأن المراد نوع من المطر أو من السحاب شديد ، كما نرك النار فى قوله : ﴿ كمثل الذى استوقد ناراً ﴾ وقرى أو كصائب والصيب أبلغ .

﴿ مِنَ السَّمَآءِ ﴾ : من السحاب أو من سماء الدنيا أحد السموات السبع ، وكلما علاك وأظلك يسمى سماء كسحاب وسقف وثوب منشور فوقك ، وإذا قلنا السماء سماء الدنيا ، فأل للعهد الحضورى أو الذهنى أو الذكرى ، فإنه قد عهد فى الذهن من ذكر صيب ومن ذكر غيره فى غير هذه الآية ، وتقرر أن الماء من السماء على المتبادر من سائر الآيات ، وكذا السحاب ويؤيد هذا التبادر قوله D : ﴿ وينزل من السماء من جبال فيها من يرد ﴾ إلا إن أراد ينزل من جهة السماء ، وفى ظاهر ذلك رد على الحكماء الزاعمين أن المطر ينقعد من أبخرة الأرض ، وعلى من قال ينعقد من البحر فذكر السماء مع أن المطر لا يكون إلا منها للرد عليهم ، ويجوز أن تعتبر كل قطعة من السماء سماء فيكون كلما تحت تلك القطعة من أفق يسمى سماء ، فتكون أن للاستغراق فيفيد أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء ، ولا شك أن المطبق المظلم المريد المبرق كذلك أعظم تخويفاً من الغمام الذى هو دون ذلك ، فهذه مبالغة عظيمة مع المبالغة لتنكير الصيب ويجمع الصاد المستعلية وتشديد ما بعدها مع الباء الموحدة التى صفتها الشدة ، وبها قيل إن الصوب فرط الانسكاب والوقوع ، وبأن صيب فعيل وهو صفة مشبه دالة على الثبوت سواء قلنا أصله فعيل ككريم ، أو غير منقول عن فعيل أو بأنه صفة مبالغة محولة عن صائب وأصله صويب كنصير ، وإذا قلنا السماء السحاب فأل للحقيقة ، وغن قلنا السماء السحاب وسماء الدنيا لنزول الماء منها جميعاً وعلوها كما جمعاً بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد إن قيل السماء حقيقة فى أحد السموات مجاز فى السحاب ، وكان جمعاً بين معنى كلمة واحدة قيل حقيقة فيهما وفى كلما علاك .

١٤٠ / ٧٬٦٨٠