هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

19

الجزء ١ · صفحة ١٤٦

﴿ خلق الموت والحياة ﴾ فجعل الموت مخلوقاً والعدم لا يخلق ، ورد قول هذا البعض بأن الخلق بمعنى التقدير والإعدام مقرة ، وإن قلنا الخلق بمعنى الإيجاد فالمعنى خلق أسباب الموت والحياءة ، وعلى قول ذلك البعض التقابل بين الموت والحياة تقابل التضاد ، وفى معناه عبارة بعضه م الموت عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة ، والصحيح ما ذكرته أولا ، وهو المشهور عن أهل اللغة ، ويوافقه أن نقول : الموت مفارقة الروح الجسد ، وعلى جميع الأقوال هو عرض ، وأما ما ورد فى الأحاديث من أنه جسم حيث قيل إنه على صورة كبش لا يمر على أحد إلا مات فمؤول بأنه لم يقصد بالموت حقيقة ، بل أراد أنه تصور بصورة كبش ، كما ورد فى البخارى ومسلم : « يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار . . . » الحديث ، ومن لازم الموت على كل قول فساد بنية الحيوان ، فتفسير الزمخشرى له بفساد بنية الحيوان تفسير باللازم ، وإن قلت ما معنى تقابل العدم والملكة؟ قلت معناه تقابل انتفاء الشئ وصلاحيته للثوبت ، فالملكة الإمكان والصلوح ، وأقسام التقبل فيما يظهر لى أربعة ، لأن المتقابلين إما وجوديان أو وجدى وعدمى ، لإإن كانا وجوديين لا يتصور أحدهما إلا بالآخرة كالبنة مع الأبوة ، والأخوة بين الاثنين فمتضايفان ، وتقابلهما تقابل التضايف ، وإن تصور أحدهما مستقل ولو لم يكن الآخر فمتضادان ، وتقابلهما تقابل التضاد ، كالسواد والبياض ، والموت والحياة ، إذا فسرنا الموت بالعرض الذى لا يجامع الحياة ، فإن حاصله موجود فى نحو الحجر ، وليس حاصل الآخر وهو الحياة موجوداً فيه ، وإن كان أحدهما عدمياً والآخر وجوديا فإن اعتبر فى العدمى كون الموضوع قابلا للوجود بحسب شخصه كعدم اللحية عن الأمرد ، أو نوعه كعدمها عن المرأة ، أو جنسه القريب كعدمها عن الفرس ، أو جنسه البعيد كعدمها عن الشجرة فهما متقابلان ، وتقابلهما تقابل العدم والملكة ، ومنه عدم الحياة عمن كانت فيه المسمى بالموت وعدمها من الجنين عند صاحب المطالع ، وإن لم عتبر ذلك فمتقابلان تقابل الإنجاب والسلب ، كالسواد وأن لا سود ، والحياة وأن لا حياة ، وقيل معنى : ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعِهُمْ . . إلخ ﴾ أنهم كرهوا الجهاد إذ لا رغبة لهم فى الشهادة .

﴿ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ : أى وعقاب الله أو إهلاكه محيط بهم إذا جاء فى الدنيا والآخرة لا يجدون عنه خلاصاً ، فحذف المضاف ، ويجوز أن يكون ذلك استعارة تمثيلية ، بأن يشبه إنفاذ وعده فيهم ، وتعميمه إياهم ، وعدم خلاصهم منه ، بخدع أو حيلة ، بغحاطة المحيط على المحاط به كله للانتقام ، وعدم الخلاص بحيلة أو خدع ، أو شبه شمول علمه بهم ، وقدرته عليهم بإحاطة القوم المحصى الملطق على المطلق به وفعل الله وصفته أقوى ، ومع ذلك يشبهان بفعل غيره وذلك للإفهام والتصوير للحس ، ويجوز أن تكون الاستعارة مفردة فى قوله : ﴿ مُحِيطٌ ﴾ فتكون تبعية تصريحية ، بأن يشبه مجرد إنفاذ وعيده أو شمول علمه بهم ، أو شمول قدرته بالإحاطة بالشئ بقطع النظر عن توابع ذلك فلا تدخل فى التشبيه ، فلا منافاة بين الاستعارتين التمثيلية والمفردة ، كما قيل إلا ، يقال إنه أراد المنافاة فى جمعها فى حال واحد ، فإن جمعهما لا يصح ، بل تحمل على هذه فقط أو هذه فقط ، والجملة معترضة ، لأن ما قبلها وما بعدها متصل معنى من قصة واحدة .

١٤٦ / ٧٬٦٨٠