23
الجزء ١ · صفحة ١٧٣﴿ نشهد ﴾ غير مطابق للواقع . وأجيب أيضاً : بأن المعنى إنهم لكاذبون فى المشهود به ، وهو الرسالة ، إذ لم يثبتوها فى اعتقادهم ، فإثباتهم إياها بألسنتهم كذب إذ لم يوافقها اعتقادهم ، فهم عالمون بأنهم كاذبون فأخبرنا الله سحبانه بهذا الكذب الذى صدر منهم ، وعلموا به ولو كان فى نفس الأمر صدقاً ، لمطابقته الواقع الذى هو ثبوت الرسالة عند الله . وإن قلت هل يصح أن يجاب أيضاً بأن المعنى إنهم لكاذبون فى تسمية قولهم : ﴿ إنك الرسول الله ﴾ مع عدم اعتقادهم رسالته شهادة ، لأن موافقة القلب للنطق مشروطة فى الشهادة؟ قلت : لا يصح أن يصح أن يجاب بذلك لأن نسمية ما ليس شهادة باسم الشهادة خطأ لا كذب لأن التسمية ليست إخباراً . ولو قلت : مشيراً إلى السماء : هذه الأرض ممطرة ، لكنت خاطئاً فى تسيمة السماء أرضاً ، لا كذباً لأنك أردت السماء الحق . وإنما تكون التسمية كذباً ، حيث جعل فيها كلام تام مثل قولك : هذا الهيكل العلوى أرض ، واسم هذا الهيكل العلوى أرض لأن سلمنا تسمية التسمية كذباً على الإطلاق إذا خالفت الواقع لتمنعن اشتراط موافقة القلب للنطق فى اسم الشهادة بل نشرطها فى المشهود به . و أجيب أيضاً بأن التكذيب راجع إلى حلف المنافقين وزعمهم أنهم لم يقولوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا لأن الآية نزلت بعد وقوع هذا منهم . وتبقى أربعة أقسام لا تسمى صدقاً ولا كذباً عند الجاحظ : المطابقة مع عدم اعتقادها ، والمطابقة بدون اعتقاد أصلا ، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة ، وعدم المطابقة بدون اعتقاد أصلا ، وأما الصدق فالمطابقة مع اعتقادها وأما الكذب فعدهما مع اعتقاد عدمها فهذه ستة أقسام : فالصدق والكذب بتفسير الجاحظ أخص منهما بتفسير الجمهور والنظام ، واستدل الجاحظ بقوله تعالى : ﴿ افترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ لأن الكفار حصروا إخبار النبى - A - بالحشر فى الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلود ، ولا شك أن المراد بقولهم ﴿ أم به جنة ﴾ أن الخبار حال الجنة ، غير الافتراء لأنهم أتوا به قسيما للافتراء ، ولا شك أن الإخبار حال الجنة غير الصدق أيضاً إذ لم يعتقدوا الصدق بل اعتقدوا عدمه ، ولا شك أنه ليس معنى قوله : ﴿ أم به جنة ﴾ أم صدق فنحصل فى الجملة افتراء . وإخبار حال الجنة وصدق وجعل عدم اعتقاد الصدق دليلا على عدم إرادتهم كونه صدق لا على عدم كونه صادق فضلا عن أن يعترض بأنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم الصدق وأجيب بأن معنى ﴿ أم به جنة ﴾ أم لم يفتروا فعبرو عن عدم الافتراء بالجنة لأن المجنون لا افتراء له ، لأن الافتراء هو الكذب عن عمد ، ولا عمد للمجنون فعدم الافتراء المعبر عنه بالجنة قسيم الافتراء ، والافتراء أخص من عدم الافتراء .