هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

23

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

ومرادى بالحكم هنا : العزم على إثبات شئ ، يقطع النظر عن كونه صدقاً أو كذبا . ومرادى بالواقع فى قولى المطابق للواقع ونحوه ما فى نفس الأمر . وإن شئت ففسر الواقع بما هو بحاله الذى عند الله ، بحسب معتاد الناس ، وإن شئت فقل هو الخارج الذى يكون بنسبة الكلام الخيرى . فالخارج فى مقتضى قولك : قام زيد هو القيام الماضى . وفى قولك : يقوم هو القيام أو المستبقل . والنسبة التامة تعليق أحد الأمرين بالآخر ، بحيث يحسن السكوت . كقام زيد . والناقصة تعليق أحد الأمرين بالآخر ، حيث لا يحسن السكوت كغلام زيد وإن قام زيد . والنسبة إما ثبوتية أو سلبية يعتقدها المتكلم إما صادقاً فيها أو كاذباً . وهذه النسبة الذهنية . والسامع بجزم بالنسبة إنها موجودة مع قطع النظر عما فى اعتقاد المتكلم ، إما موافقة لنسبة المتكلم فصدق ، وإما مخالفة فكذب . وقول القائل : السماء فوقنا فصدق عند الجمهور ، ولو اعتقد أنها تحتنا لمطابقته الواقع . وقوله : تحتنا كذب ، ولو اعتقده لعدم مطابقة الواقع . وأما على قول الجاحظ فقولك : السماء فوقنا معتقد أنها قوقنا صدق ، وقولك معتقداً أنها تحت كذب . وأما على قول النظام فقولك السماء تحتنا معتقداً أنها تحتنا صدق . فقولك فوقنا غير معتقد أنها فوقنا كذب . والمراد بالاعتقاد : الحكم الذهنى الجازم أو الراجح ، فيعم العلم وهو حكم جازم لا يقبل التشكيك . والاعتقاد المشهور وهو حكم جازم يقبله . والظن : وهو الحكم بالطرف الراجح ، فكل ذلك صدق . فيخرج الموهوم فإنه كاذب لأنه الحكم بخلاف الطرف الراجح ، فليس بصدق عند النظام لخلوه من الاعتقاد المذكور ، الذى هو الحكم الذهنى الجازم أو الراجح ، وأما المشكوك فكذب أيضاً لعدم ذلك الاعتقاد فيه ، أيضاً لأن الشك التردد بين الطرفين بلا ترجيح . وإذا كان الكام الكاذب خبراً فكيف لا يكون كلام الشك خبراً ، مثل أو تقول : قام زيد ، مع الشك ، فلا يقال المشكوك ليس صدقاً ولا كذباً ، واستدل النظام بقوله : تعالى ﴿ إذا جاءكم المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ﴾ لأن الله - جل وعلا - نسبهم إلى الكذب فى قولهم : ﴿ إنك لرسول الله ﴾ مع أنه مطابق للواقع إذ لم يعتقدوا أنه رسول الله ، فسماه كذاباً إذا قالوه من غير أن يعتقدوه . وأجيب : بأنه إنما نسبهم إلى الكذب فى ادعائهم اعتقاد رسالته ، ولا شك أن هذا الادعاء غير صحيح ، لأنهم لم يعقتدوها . وهذا الادعاء مستفاد من المقام ، لا من خصوص قولهم ﴿ نشهد ﴾ لأنه ليس بإخبار بل إنشاء فضلا عن أن يقال : إن قولهم

١٧٢ / ٧٬٦٨٠