24
الجزء ١ · صفحة ١٧٧ولا اتقاؤها لازماً له ولا مسبباً عنه ، فكيف صح الجزاء باتقوا النار؟ قلت : نزلت لازم الجزاء وهو اتقاء النار منزلة الجزاء وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى والقرآن . وترك العناد على سبيل الكناية ، فإن الإيمان وترك العناد يصحان جزاء ، لأنهما لازمان لعدم الإتيان بالسورة ومسببان عنه . وعدم الإتيان ملزوم لهما وسبب لهما ، فأفادت هذه الكناية ترك العناد ، وتهيول شأن العناد بإقامة النار مقامه ، وإنابة اتقاء النار مناب ترك العناد ، وتصريحاً بالوعيد وليس غير الكناية يفيد كل ذلك . قال الفخر : لما ظهر عجزهم عن المعارضة ، صح عندهم صدق النبى - A - وإذا صح ذلك تم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار . واتقاء النار يوجب ترك العناد . وأقيم قوله : ﴿ فَاتَقُوا النَّارَ ﴾ مقام قوله : فاتركوا العناد ، وأل فى النار للعهد الذكرى ، إذ ذكرت النار فى سورة التحريم نكرة ، وهى من السور التى نزلت بالمدينة ، والبقرة مدنية أيضاً ، لكن سورة التحريم متقدمة النزول ، بل قيل آية - وقود النار - نزلت بمكة .
﴿ التَّى وُقُّودُهَا ﴾ : أى ما توقد به . وأما الوقود - بضم الواو - فمصدر ، بمعنى اشتعال النار ، وقرأ به عيسى بن عمر الهمدانى . إما على المصدرية مبالغة بحيث نزل قوة الاشتعال منزلة الناس والحجار ، كأن نفس الناس والحجارة هى الاشتعال ، كقولك زيد صوم إذا أكثر الصوم . وقولهم حياة السراج الزيت أى ما يحيا إلا به ، فكأنه نفس الزيت . وما تتقد النار إلا بالناس والحجارة . فكأن الاتقاد نفس الناس والحجارة ، وإما على المصدرية وتقدير مضاف أى متعلق موقودها الناس والحجارة ، أو محل وقودها الناس والحجارة ، أو وقودها احتراق الناس والحجارة ، أو اشتعال الناس والحجارة بها . وإما على التسمية بالمصدر بدون أن تعتبر المبالغة ولا تقدير مضاف ، كقولك : زيد فخر قومه وزين بلده ، أى والذى يفتخر قومه به ويتزين بلده به ، وقيل : كل من الوقود ، بالفتح ، والوقود ، بالضم ، يكون اسماً لم تتقد به ومصدراً بمعنى الاتقاد . قال سيبوية : سمعنا من يقول ، وقدت النار وقوداً عالياً ، والاسم بالضم .
﴿ النَّاسُ ﴾ : الذين أشركوا والذين نافقوا .
﴿ وَالْحِجَارَةُ ﴾ : جمع حجر كجمل وجمالة ، وهو غير كثير ولا مقيس ، وجمع الجمع حجارات كجمالات ، وفى الأخبار يكون وقودها الحجارة إخبار بقوتها ، لأنها لا تتصل بالحجارة إلا لقوتها ، وإذا اتصلت بالحجارة كانت قوتها قوة الحجارة ، والمراد بالحجارة ، الأصنام المنحوتة من الحجارة ، يقرنهم الله بها فى النار ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ يعذبون بها لما عصوا بها ، كما يعذب مانع الزكاة بماله .