هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

24

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

وبذلك يشتد تحسرهم إذا عذبوا بها . وإذا طمعوا فى أن تنجيهم فعبدوها فصارت وبالا عليهم عكس ما طمعوا ، وإتيان المكروه من حيث ترجوا النفس إتيان ما تحبه أشد عليها من إتيانها نم حيث ما تتوقع . وقيل المراد بالحجارة : الذهب والفضة اللذان يكنزان ، ولا يؤدون منهما الحقوق . وإن قلت كيف يخص هذا بالمشركين؟ قلت : لا تخصيص بل الناس المشركون والمنافقون بالشرك أو بالكبائر . وقال ابن عباس : المراد بالحجارة حجارة الكبريت . رواه الطبرى وغير ورواه الطبرانى والحاكم والبيهقى وغيرهم عن ابن مسعود ، فإن كان ذلك منهما حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله - A - فلا إشكال ، وإن كان من كلامهما فله حكم الحديث المرفوع ، وكلاهما سواء أكان حديثاً أم لا ، دليل على تخصيص الحجارة بالكبريت ، ووجه التخصيص أن الكبريت أشد حرا ، وأكثر التهاباً ، وأسرع اتقاداً ، وأكثر دخاناً ومنتن الريح وشديد الالتصاق . وإن قلت : لعل ابن عباس وابن مسعود عينا أن الأحجار كله لتلك النار ، كحجارة الكبريت لسائر النيران ، وليس مرادهم خصوص الكبريت ، لأنه تهويل فى الكبريت . لأن كل نار تتقد به وإن ضعفت ، بخلاف ما إذا فسرنا الحجارة بالحجارة المعروفة . فإن فيها تهويل حيث اتقدت بما لا يتقد به غيرها . قلت هذا تأويل مخالف للظاهر مع أن النكت لا تتزاحم . فكما تقصد الحجارة المعروفة للتهويل المذكور ، تقصد حجارة الكبريت لزيادة الالتهاب والدخان والحرارة والنتن والالتصاق وسرعة الاتقاد . والحجر يطلق على كل جامد يابس صلب ، ولو كان أصله الحجر المعروف . وإنما جاء وقودها الناس والحجارة صلة ، والصلة والصفة فى غير مقام قصد التهويل للإبهام ، يجب أن تكونا معهودتين للمخاطب ، وإلا كانتا من باب الخبر ، لا من باب الصلة والصفة ، لأن هذه الجملة معهودة عندهم ، من قوله تعالى فى سورة التحريم : ﴿ ناراً وقودها الناس والحجارة ﴾ خوطب بها المؤمنون فسمعوها منهم أو سمعوها منه - A - ومن غيره بدون تلاوة الآية أو تلاوتها ، أو من أهل الكتاب كأنه قيل : فاتقوا النار التى عرفتم أنها ممتازة عن سائر النيران ، بأنها ، لا تتقد إلا بالنار والحجارة ، كما يستفاد الحصر من تعريف الطرفين وهما وقودها ، الناس والحجارة ، وبأن غيرها من النار إن أريد إحراق الناس بها . وليس بحائز أو إحماء الحجارة بها أو إحراقها أو صنعها جيراً مثلا أوقدوا لا بنحو حطب ، وقد تقرر أن أحكام الجن فى التكليف والثواب والعقاب واحدة ، فكما يكون وقود نار الأشقياء من بنى آدم هو هؤلاء الأشقياء منهم والحجارة ، كذلك يكون وقود نار الأشقياء من الجن هو هؤلاء الأشقياء من الجن والحجارة ، فيجازى كل نفس بما يشاكله ، ونار جهنم أنواع شتى ، والتنكير فى سورة التحريم لهذا أو للتعظيم .

﴿ لِلْكَافِرِينَ ﴾ : وجعلها عدة لعذابهم ، كما تجعل الخيل والسلام عدة للقتال .

١٧٨ / ٧٬٦٨٠