25
الجزء ١ · صفحة ١٨١ويجوز عطفها على أعدت إذا جعلنا أعدت مستأنفة . والمعنى : أن النار أعدت للكافرين ، والجنات للمؤمنين . لا إذا جعلناها حالا أو صلة بعد صلة ، لأن المعطوف على الحال أو الصلة حال أو صلة ، فيحتاج لرابط ولا رابط فى بشر .
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ : ترى الإنسان يقيد كلامه مرة واحدة بقيد ، فيحمل سار كلامه المطلق على هذا القيد ، فكيف يسوغ لقومنا أن بلغوا تقييد الله D الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقروناً بالعمل الصالح ، بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به ، وهو الله تعالى ، إذ لا يخدم الإنسان مثل سلطاناً لا يعتقد بوجوده وبثبوت سلطنته ، فالعمل الصالح كالبناء النافع المظلل ، المانع للحر والبرد والمضرات ، والإيمان أس فلا ينفع الأس بلا بناء عليه ، ولو بنى الإنسان ألوفاً من الأسوس ولم يبن عليها ، لهلك باللصوص والحر والبرد ، وغير ذلك . فإذا ذكر الإيمان مفردا قيد بالعمل الصالح ، وإذا ذكر العمل الصالح فما هو إلا فرع الإيمان ، إذ لا تعمل لمن لا تقر بوجوده ، وفى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلا منهما غير الآخر ، لأن الأصل فى العطف المغايرة بين المتعاطفين . ففى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنات ، إنما يستحقها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان ، لكن الأعمال الصالحات تشمل الفرض والنفل . والمشروط الفرض وأما النفى فزيادة خير ، قلت العمل الصالح ما أمر به الشرع استحباباً أو إيجابا ، وقال بعضهم : العمل الصالح ما كان فيه أربعة أشياء : العلم والنية والصبر والإخلاص . وقال عثمان بن عفان : وعملوا الصالحات أخلصوا الأعمال عن الرياء وغيره مما يفسدها ، لأن العمل الذى لم يخلص غير صالح ، والصالحات جمع صالحة ، اسم فاعل فى الأصل ، تغلبت عليه الاسمية . ولا مانع من بقائه على الأًل . والتقدير الفعلة الصالحة - بفتح الفاء وإسكان العين - أو العملة الصالحة - بفتح العين وإسكان الميم - أو الخصلة الصالحة أو الخلة الصالحة ، ومما يحتمل تغلب الاسمية والبقاء على الأصل قول الحطيئة :
كيف الهجاء وما تنفك صالحة … من آل لام بظهر الغيب تأتينى
قال زكرياء : دعا النعمان بحلة من حلل الملوك ، وقال للوفود وفيهم أوس بن حارثة بن لام الطائى : احضروا غداً فإنى ملبس هذه الحلة أكرمكم ، فلما كان الغد حضروا إلا أوساً ، فقيل له فى ذلك قال : إن كان المراد غيرى فأجمل الأشياء بى ألا أحضر وإن كنت المراد فسأطلب . فلما جلس النعمان فلم ير أوساً طلب وقيل احضر آمناً مما خفت ، فحضر وألبس الحلة ، فحسده قوم من أهله وقالوا للحطيئة : اهجه ولك ثلاث مائة بعير . وروى مائة بعير ، فقل كيف الهجاء وما تنفك صالحة البيت وتنفك : تزال ، ويظهر الغيب حال .