هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

25

الجزء ١ · صفحة ١٨٢

أى ملتبساً بالغيب أى غائباً . والظهر مقحم للتأكيد . معنى الغيب . وتأتينى خبر تنفك . وأل فى الصالحات للاستغراق . على أن المراد به الفروض وإن قلنا الفرض والنقل فللحقيقة الصادقة بالفرض ، ولا بد وبالنفل غير مشروط لا للاستغراق إذ لا يكاد مؤمن أى بجميع الأعمال الصالحات فرضها ونفلها .

﴿ أَنَّ لَهُمْ ﴾ : أى بأن لهم .

﴿ جَنَّاتٍ ﴾ : الجنة الأشجار المظلة سميت المظلة سميت لأنها تستر ما تحتها بالتفاف أغصانها مبالغة أو تحقيقاً . قال زهير بن أبى سلمى :

كأن عينى فى غربى مقتلة … من النواضح تسقى جنة سحقا

فسمى النخل جنة لأنها تستر ما تحتها إذا كانت صغيرة أو تستره عما يعلوها من طائر أو سماء أو غيرهما ، والسحق : الطوال ، والغرب : الدلو العظيمة الممتلئة ماء ، وهو فى البيت مثنى . والمقتلة : الناقة المذللة للسقى ، والنواضح : جمع ناضح هو البعير الذى يسقى عليه . وخص المقتلة لأنها تخرج الدلو مليبئاً بخلاف الناقة الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من الدلو . وخص النخل لأنه أحوج الشجر إلى الماء وخص النخل الطوال لأنها أحوج النخل . وجعل عينيه فى الغربين ولم يجعلهما غربين . كناية لطيفة ، كأنما ينصب من الغربين ينصب من العينين . وتسمى الأرض التى فيها الأشجار جنة أيضاً ، لأن ما فيها الأشجار ليستر ما تحته لالتفافه . وسمى الله دار ثوابه : جنة ، لأن فيها أجنة ملتفة ساترة . قال ابن عباس وجرير بن عبد الله وغيرهما : سميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها أى تستره ، وكل جنان جنة ، وجمعها جنت . كما فى الآية . وأصل ذلك كله من جنه أى ستره . ومن ذلك سمى القلب جناناً ، وما فى بطن الحامل جنيناً ، وسترة القتال جنة وضد الإنس جنا وجنة ، وقيل سمى دار ثوابه الجنة ، لأنه ستر فى الدنيا ما أعد فيها للبشر من أنواع النعم . كما قال الله تعالى : ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ﴾ وقيل الجنات الحدائق ذات أشجار ومساكن . واعلم أن الجنة مشتملة على سبع أنواع كما ذكر ابن عباس : جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة النعيم ، ودار الخلد ، وجنة المأوى ، ودار السلام ، وعليين ، وكل واحدة من هذه الأنواع السبعة مشتملة على جنات كثيرة متفاوتة ، بحسب قوة الأعمال وكثرتها والمبالغة فى الإخلاص وغير ذلك . ولذلك جمعت فى الآية ونكرت ، قيل الجنة ما فيه شجرة ونخل . والفردوس ما فيه عنب . واللام فى قوله : لهم ، لام استحقاق . والمراد أن المؤمنين استحقوا الجنات لأجل الإيمان والعمل الصالح ، من حيث ترتب عليهما الاستحقاق ، لا لذاتهما ، فإنهما لا يكافئان النعم السابقة ، ولا يعاد لان الذنوب الصادرة ، بل لا لنعمة واحدة ولا ذنباً واحداً ، فضلا عن أن يقتضيا ثوابا . ولا سيما ثواب هو الجنة ، كيف وهما نعمتان يجب عليما الشكر ، وكل شكر صدر استحق شكراً آخر عليه ، لأنه نعمة ، ولا يوهمك خلاف ذلك ما ورد فى الآثار : أن ثواب العمل كذا وثواب العمل الآخر كذا ، لأن معناه أن الله - تبارك وتعالى - جعل من فضله ورحمته أن عمل كذا له كذا من الخير ، وليس المراد أن ذلك ثواب يوجبه العمل ، ويكون عديلا له مستوياً معه استواء ربع الربا له مع خياطة الجبة ، وسقى القربة مع مد شعير ، ويدل لذلك أنه - تعالى - غنى على الإطلاق ، لا تنفعه الطاعة ، ولا تضره المعصية ، وأن كل عمل صالح عمله الإنسان أو غيره ، فهو نعمة من الله عليه ، ثم إن المؤمنين يستحقون الجنات إن ماتوا على الإيمان غير مرتدين ولا مصرين لقوله تعالى :

١٨٢ / ٧٬٦٨٠