25
الجزء ١ · صفحة ١٩٢قال بعض العرب :
ما أحوجنى إلى بيت الله فأطهر به تطهرة ، وفى هذا الكلام دليل على جواز لحوق التاء للمصدر الذى على وزن التفعل ولو كان صحيح اللام إذا أريدت الوحدة مثل تعلم تعلمة . وإن قلت لم لم يقل طاهرة أو متطهرة؟ قلت : لأن مطهرة أبلغ ، لأن معناه أن غيرهن قد طهرهن ، وما هو إلا الله - D - وأما طاهرة ومتطهرة فمعناهما طاهرات ، لا إن مطهراً طهرهن ، ومتطهرة : أبلغ من ظاهرة ، لأن التفعل للكسب والعلاج ، فكأنهن قصدن الطهارة ، وبالإن فيها ، وكذلك قرأ به عبيد لكن أدغم . وليس طعام الجنة وشرابها لدفع الجوع والعطش وألمهما ، ولا لحفظ البتة عن الفساد والموت ، ولا الجماع فى الجنة لتناسل وإبقاء النوع الإنسانى ، للاستغناء فى الجنة عن ذلك ، بل ذلك كله للتلذذ والتنعم ، وإظهار قدرة الله ونعمته ووعده أكمل إظهار .
﴿ وهم فيها خالدون ﴾ : دائمون أبدا لا تفنى ولا يفنون ، ولا يخرجون منها للآيات والأحاديث الدالة على ذلك ، وإلا فالخلود الثبوت الدائم والثبوت الطويل ، دون دوام ، فهو الثبوت الطويل دام أو لم يدم . ويجوز تفسيره بمطلق الثبوت الطويل ، دون تعرض لدوام وغيره ، ويستفاد الدوام من الأحاديث وسائر الآيات . والجمهور يفسرون الخلود فى الآية بالدوام ، ولولا لفظة أبدا فى قوله : ﴿ خالدين فيها أبدا ﴾ لم تكن الآية نصاً فى خلود العصاة الفسقة من الموحدين ، ومن استعمال الخلود بمعنى الثبوت الطويل تسمية القلب خلدا ، بفتح الخاء واللام ، وقوله تعالى : ﴿ أخلد إلى الأرض ﴾ ، وقول الشاعر :
لن تزالوا كذلكم ثم لا زل … ت لكم خالدا خلود الجبال
وقولهم للأثافى ، وهى الحجارة التى تنصب عليها القدور خوالد ، وللأحجار التى تبقى بعدد الأطلال . ولو كان موضوعاً للدوام لكان لفظ أبدا تأكيداً للخلود إذا ذكر معه والأصل عدمه ، فلا يحمل على خلاف الأصل بلا دليل ، بل قام الديل على أنه لمطلق الثبوت الطويل ، وكذا لو جعل الخلود موضوعاً للثبوت الدائم ، وموضوعاً للثبوت غير الدائم ، على طريق الاشتراك ، كوضع القراء للحيض ووضعه للطهر ، لكان اشتراكاً ولاألص عدمه ، فلا يحمل عليه بلا دليل ، ولو جعلناه مجازا فالثبوت غير الدائم لكان ذلك أيضاً خلاف الأصل بلا دليل ، فلم يبق إلا أن يقال موضوع لمطلق الثبوت الطويل من يعتبره فى وضعه الدوام ولا عده ، كما وضع الجسم لنقيض الغرض باعتبار كونه حياة أو مواتا . وأعلم أن معظم اللاذت المطعم والمنكح والمسكن ، فأعطاهن الله الرحمن الرحيم أهل الجنة ، وأتممها بالخلود الدائم ، لأن النعمة الجليلة غذا كانت تزول فهى غير تامة وهى منفضة ، وإن قلت : كيف يكون جسم الإنسان والحور والجن وأشجار الجنة وبناؤها دائماً ، مع أنه مركب والتركيب داعى الانحلال ، ولا سيما الإنسان ، فإن اجزاءه متضادة الكيفية فتستحيل؟ قلت : إنما كان التركيب داعى الانحلال والأجزاء مضادة الكيفية بجعل الله سبحانه إياها كذلك ، فاذا أراد جعل التركيب غير داع للانحلال ، وجعل تضاد الكيفية غير داع للاستحالة ، بل يجعلهما داعيين للانعقاد والدوام ، أو يبعث الإنسان غير مضاد الكيفية وبيعته ومتقادمها ومتساويها متعانقها لا يغلب بعض بعضاً ، ولا ينافر بعض بعضا ، لكن كلامنا فى هذا هجوم على الغيب بمجرد ما ألفته عقولنا القصيرة .