2
الجزء ١ · صفحة ٦٠أو ذكر بلفظ ﴿ الم ﴾ على أنه قسم مراد به السورة أو القرآن أو للعهد الذهنى ، فأن القرآن الكريم فى ذهن النبى A ، لا يخلو منه بتفكر فيما نزل منه وينتظر نزول الباقى ، ولأنه معهود فى الكتب المتقدمة ، راسخ ذكره فى أذهان من يقرؤها قد وصل ذهنه A ، أو للعهد الحضورى لحضور بعضه وهو ما نزل ، فإن الشئ المتصل إذا حضر عندك بعضه وغاب عنك باقيه مثل حبل قربت لبعضه وتراه ، وغاب عنك باقيه يصدق عليه أنه حاضر ، قال ابن عصفور : كللام واقعت بعد الإشارة أو أى فى النداء إذا كان مدخولها تابعاً لما قبله ، أو واقعة بعد إذا الجائية ، فهى للعهد الحضورى ، وقد قيل المراد بقوله ذلك الكتاب ما قد كان نزل من القرآن المشار إليه بإشارة الغائب تعظيما لعلو شأنه ، وهو فى الحقيقة حاضر إذا اعتبر نزوله حضوراً ، ويناسب العهد الذهنى ما قيل إن الله تبارك وتعالى وعد نبيه A : فى منام أو إلهام أو بوحى فى أوائل البعثة قبل أن ينزل عليه شئ من القرآن أن ينزل عليه كتاب لا يمحوه الماء ، ولا يخلق عن كثرة الرد ، أى لا يبلى ولا يتغير ولا ندرس بكثرة التردد فيه ، أى بكثرة تردده المؤدى إلى أن يمحى ، فيترك فيندرس وانتفى بسبب كثرة التردد فيه بتكرار قراءته أن يكون بالياً مندرساً ، وانتفى أن يكون بالياً متغيراً مع كثرة قراءته ، صانه الله عن أن يغير مع كثرة من يتلوه ، والحمد لله .
ولما نزل بعضه قال الله تبارك وتعالى : هذا هو ذلك الكتاب الذى وعدتك به أو وعده ذلك ببعض القرآن مثل : ﴿ سنلقى عليك قولا ثقيلا ﴾ ، كأنه قيل هذا الموعود إنزاله بعد ما نزل بعضه ، ويناسب العهد الذهنى أيضاً ما قيل : إن اله وعد بنى إسرائيل أن ينزل لهم كتاباً على رسول إلى الناس كافة من ولد إسماعيل ، ولما هاجر رسول الله A إلى المدينة - صانها الله بفضله - وبها خلق كثير من لايهود نزلت الآية ، أى هذا الكتاب الذى وعدت به على لسان موسى وعيسى ، أن أنزله عليه فكفروا به وبما أنزل إليه :
لا تكذب إن اليهود وقد زا … غواء عن الحق معشر خبثاء
والكتاب لغة الضم والجمع ، ومن ذلك يقال للجند كتيبة لاجتماعه ، وكتبت المال جمعته ، وهو مصدر سمى به المفعول مبالغة ، وهو القرآن ، لكثرة المعانى والألفاظ والحروف فيه ، واجتماعها وانضمامها فى الألسنة والصحف واللوح المحفوظ ، ويجوز أن يكون اسماً موضوعا لذلك غير مصدر ، بل اسم كرجل ولباس ، فكما أنه سمى اللباس لملابسته ومخالطته لمن لبسه ، كذلك سمى القرآن ، لأنه مما يجمع ويضم كما ذكر ، ولسنا نحتاج أن نقول إن تسميته كتابا من مجاز الأول بمعنى أنه سيكتبه الناس أو أن نقول إنها باعتبار الإمكان والقوة بأنه قد جمع تحقيقاً وبالفعل فى اللوح المحفوظ ، نعم قد يقال سمى بذلك قبل أن يكتب فيه ، لأن هذا الاسم من جملة القرآن مكتوب فى اللوح المحفوظ ، فيحتاج أن نقول هى باعتبار الإمكان والقوة ، ومن مجاز الأول أى يؤل إلى الكتابة ، وقابل لأن يكتب فى اللوح المحفوظ وما بعده من أوراق وغيرها ، أى يضم ويجمع فيها قبل إنه حقيقة فى ضم الحروف بعضها إلى بعض فى الخط ، وقيل إنه حقيقة عرفته فى ضم بعضها إلى بعض فى التكلم بها وقرأ ابو عمرو بإدغام هاء فيه فى هاء هدى ، وهكذا كل مثلين من كملتين ، ولو تحرك أولهما أو كان قبله ساكن إلا