هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

2

الجزء ١ · صفحة ٦٣

وإن أقلت كيف يكون هدى وفيه المجمل والمتشابه؟ قلت : لزوال الإجمال بتبيينه A ، والمتشابه لا يضر بهم جهله ، ويكفى الإيمان به ، وأيضاً قد يبينه راسخ فى العلم ، والمتقى من يبالغ فى الحذر من شئ يعالج الحذر منه وينفر من أن يقع فى أقل قليل منه كمحاذرة السم ، فقد يحرذ ما لا يكون فيه ذلك المحذور بحسب ما ظهر مخافة أن يكون فيه وهو لا يعلم فيه ، أو أن يؤدى إلى ماهو فيه ، ويختص ذلك فى الشرع بشدة محاذره المعصية والشبهة ، وما يخاف أن تكون فيه إحداهما أو يؤدى إلى إحداهما فهو يترك كثيراً من الحلال لئلا يقع فى ذلك ، وفى عرف الخواص من أهل الشرع أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق سبحانه وتعالى ، وينقطع إليه بجملته ظاهره وباطنه ، ويجوز تفسير التقوى به فى قوله تعالى : ﴿ واتقوا الله حق تقاته ﴾ وهو التقوى الحقيقى المطلوب ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : المتقى من يترك الفواحش والكبائر والشرك ، وفي معناه التارك ما حرم الله المؤدى ما افترض ، فإن ترك أداء الفرض فاحشة أو كبيرة أو بشرك ، وفى معناه أيضاً من لا يراه الله حيث نهاه ، وفى معناه المتقدى بالنبى A وأصحابه ، وفى معناه تارك الاغترار بالطاعة والإصرار على المعصية ، هذه العبارات كلها فى معنى عبارة ابن عباس ، ويتولد من ذلك ألا يرى نفسه خيراً من أحد ، وكل ذلك من الوقاية وهى الحجز بين الشيئين ، فإن المتى يحتجز من غضب الله D وعذابه ، والتاء الأولى من المتبقى بدل من الواو ، والثانية تاء المفتعل ، وإن قلت كيف يكون القرآن أو بعضه هدى للمتقى؟ . . بل هدى للضال وإلا لزم تحصيل الحاصل؟ قلت : المعنى أنه يزيدهم الهدى أو أن الاتقاء الحاصل معهم ، إنما حصل لهم بهدى القرآن ، أو معنى المتقين المشارفون للاتقاء على الإيجاز والتشريف والتفخيم لهم ، أو أريد بالهدى غايته ، لأن غير المتقين يحصل لهم مبدأة ، وقرأ أبو الشعثاء جابر بن زيد C أو سليم بن أسود : لا ريب بالرفع والتنوين على إعمال لا عمل ليس ، أو على إهمالها ، فعلى إعمالها عمل ليس الأحسن كون خبرها محذوفاً ، وفيه نعت اسمها ، أو فيه خبر لهدى ، وهدى مبتدأ ، أى لا ريب فيه ، فيه هدى للمتقين ، وعلى كل قراءة وكل وجه نكر هذا التعظيم ، وإنما لم يقدم لفظ فيه على لا ريب كما قدم فيها على قول ، لأنه لم يقصد نفى الريب عن القرآن خاصة وإثباته لسائر الكتب المنزلة كما قصد إثبات القول لسائر الخمور ، ونفيه عن خمر الجنة فقط ، فلو قيل لا فيه ريب لأوهم الكلام أن فى سائر الكتب ريباً .

٦٣ / ٧٬٦٨٠