هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ١ · صفحة ٦٥

وإن قلت كيف يصح أن يقال صيرت الغيب آمناً من أن أكذبه ، وإنما الأمن يكمن فيمن يمكن منه الخوف؟ قلت : يصح ذلك مجازاً شبه التكذيب به بمناعة إنسان ومعاداته بجانب المباعدة فى كل ، أو لمنافرة المستلزم ذلك لخوفه ، وإن قلت : الإيمان التصديق حقيقة والاعتراف مجازاً ، فإذا عدى بالباء علمنا أنه ضمن معنى الاعتراف ، فيلزم اجتماع الحقيقة والمجاز ، قلت : المشهور منعه ، وأجازه الشافي وغيره ، مع أنه لا يتعين ذلك ، لجواز أن نقول: إنه مستعمل فى حقيقته دالا على محذوف مؤدى للمعنى المجاز ، أي مصدقين حال كونهم معترفين بالغيب ، كما يقال أحمد الله إليك ، أي أحمده مُنهِيًا حمده إليك ، فإن حقيقة التضمين أن يقصد بالفعل معناه الحقيقي مع معنى آخر يناسبه ، من غير أن يقال: إنه موضوع لهذا المعنى الآخر على ما يفيده كلام السعد ، بل يشير الفعل إلى ذلك المعنى ، بواسطة دلالة المقام على تقدير ما يؤدى ذلك المعنى ، ولك أن تقول حقيقة التضمين استعماله فى ذلك المعنى الآخر مجازاً ، مع تلويح إلى المعنى الأوَّل بواسطة التزام أو نحوه ، هذا ما سمح به خاطري ولي في ذلك أبحاث .

والإيمان فى الشرع تارة يطلق على التصديق بما علم بالضرورة أنه من دين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كنفي الشركة عن الله سبحانه وتعالى ، وإثبات النبوة والرسالة والبعث والجزاء . ومعنى كون ذلك معلوماً بالضرورة أنه مشهور ، حتى كأنه أمر ضروري لا يحتاج إلى كسب ، ثم ما لوحظ إجمالاً كالملائكة والكتب والرسل ، كفى الإيمان به إجمالا ، وما لوحظ تفصيلا كجبريل وموسى والإنجيل ، اشترط الإيمان به تفصيلا ، حتى إن من لم يصدق بمعيَّن من ذلك فهو مشرك ، كذا ذكر بعض الشافعية وهو حق كما نقول معشر الإباضية الوهبية ، إلا أن جمهورنا يوجب معرفة جبريل وآدم ، ولا يمهل المكلف إلى ورود معرفتهما عليه ، كما لا نمهله نحن ولا قومنا فى معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن. ولا يشرك الإنسان بإنكار نبي لم يتوا . وتارة يطلق على مجموع الاعتقاد والإقرار أو العمل بمقتضى ذلك فمن أخل بالاعتقاد وحده وبه وبالعمل فهو مشرك، من حيث الإنكار منافق أيضاً ، من حيث إنه أظهر ما ليس في قلبه. ومن أخذ بالإقرار وحده ، أو بالإقرار والعمل ، فهو مشرك عند جمهورنا وجمهور قومنا، وقال القليل إنه إذا أخل بالإقرار وحده مسلم عند الله من أهل الجنة ، وإن أخل به وبالعمل ففاسق كافر كفر نعمة، ونريد باسم آخر له وهو لفظ منافق، وإن أخل بالعمل فقط فمنافق عندنا فاسق ضال كافر كفراً دون شرك ، غير مؤمن الإيمان التام ، وقالت المعتزلة: خارج عن الإيمان غير داخل فى اسم الكفر ، سواء كفر الشرك وما دونه ، وروي: الإيمان إقرار باللسان وعمل بالأركان والاعتقاد بالجنان ، وقيل هو كلام من بعض السلف ، واختلفوا - الخوارج، وهم الذين خرجوا عن ضلالة علي - فقالت الإباضية الوهبية وسائر الإباضية فيمن أخل بواحد من الثلاثة ما تقدم من إشراكه بترك الاعتقاد أو بترك الإقرار ، وينافق بترك العمل ، ويثبتون الصغيرة ، وقال الباقون كذلك وأنه لا صغيرة ، ومذهب المحدثين أن انضمام العمل والإقرار إلى الاعتقاد على التكميل لاعلى أنه ركن ، ونحن نقول : انضمامهما إليه ركن وهما جزء ماهيته ، وقيل: شرط خارج عن الماهية لا ينتفع به بدونهما ، وأن ماهيته هي التصديق بالقلب فقط ، وأما الإقرار فإشهار دين الله - تبارك وتعالى - وتعظيمه والدعاء إليه ، ونفي أحكام المشركين عن نفسه ، وأما العمل فلوجوب الصدق ، فمن لم يعمل فقد كذَّب اعتقادَه ، وإقرارَه إن أقرَّ، وخرج عن عبادته من أقر له واتف له ، واعتقد أنه عبده ، وعلى كلا القولين من أن الإقرار والعمل شرطان، أو شطران لماهية الإيمان يكفى إقراره وعمله فى خلوة عن حضور أحد. وزعمت الكرامية أن الإيمان هو التلفظ بالشهادتين ، سواء طابقه الاعتقاد أم لا ، فإن طابقه نجا ولو لم يعمل ، وإلا فهو مخلد في النار من غير أن يسموه مشركاً ، فعندهم التلفظ ينفي اسم الشرك باطناً كما ينفيه ظاهراً ، ولا ينفي حكمه وهو الجزاء بالنار إن لم يطابقه الاعتقاد ، ويبطل قولهم ما وردت به لغة العرب والقرآن والسنة أن الإيمان تصديق بالقلب وإذعانه ، وقال أبو حنيفة وبعض الأشاعرة: الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان ، لأن التصديق لما اعتبر بكل من اللسان والجنان ، كان كل منهما جزءاً من ماهية الإيمان ، ولكن تصديق القلب ركن لا يحتمل السقوط ، وتصديق اللسان يسقط لنحو خرس أو إكراه ، وهو موافق لما نقوله معشر الإباضية الوهبية ، غير أنا نقول : إن العمل جزء من ماهية الإيمان ، لكن لا يخفى أنه جزء من ماهية الإيمان التام لا مطلق الإيمان ، بدليل انه لا نحكم بالشرك على من ترك العمل ، فالإيمان باق فيمن ترك العمل ، ولكنه لا ينفيه ، فمطلق الإيمان تركت ماهيته عندنا بالاعتقاد والإقرار فقط ، ورجح بأن الله - جل وعلا - ذمَّ المعاند أكثر من الجاهل المقصر ، ويجاب بأن الذمَّ للإنكار والعناد لا لمجرد عدم الإقرار. وقيل: الاعتقاد فقط ، وأما الإقرار فلِمَا مر من إشهار الدين والدعاء إليه ونفي أحكام الشرك ونحو ذلك ، وللعباد والثواب والتوكيد ، ويدل له إضافة الإيمان إلى القلب مثل:

٦٥ / ٧٬٦٨٠