هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

3

الجزء ١ · صفحة ٦٦

﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ ولم يؤمن قلبه ، ﴿ ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم ﴾ ، وعطف العمل الصالح عليه فى مواضع لا تحصى ، ونطق اللسان من العمل الصالح وقرنه بالمعاصى كالاقتتال والقتل والظلم فى نحو : ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص فى القتلى ﴾ ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ﴾ ، مع ما فى ذلك من قلة التغير عن معناه اللغوي ، ومن قربه إليه ويدل لذلك تعديه بالباء ، فإنه يتبادر منه التصديق ، ويدل له أنا إذا رأينا من أحد أمارة المؤمنين حكمنا بإيمانه ، وأزلنا عنه حكم الشرك ، وكذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلم أن الإيمان في القلب ، وأنه بأي علامة كشف عنه حكمنا به ، سواء كشف عنه اللسان أو غير اللسان ، ولست في ذلك قاصدًا لمخالفة أصحابنا رحمهم الله ، ولكن ذكرت ما أدى إليه اجتهادي.

وأما أحاديث : « أمرت أن أقاتل اناس حتى يقولوا . . . إلخ » فقد يستدل بها على أن الإقرار جزء من ماهية الإيمان ، لكن قد يقال: إن النطق إنما هو شرط لإجراء أحكام الإسلام ، بدليل أنه رتب عليه حقن الدماء والأموال إلا بحق دون النجاة فى الآخرة ، بل وكل أمرهم إلى الله D ، فإن خالف اعتقادهم نطقهم أو عملهم أو طابق فهو العالم بذلك المجازي عليه . وإن قلت لا يتصور لمعتقد ألا يقر، قلت: يتصور لأنه يمكن أن يصلي بسورة ليس فيها تصريح بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، مع الفاتحة ، وأن يسلم من التحيات قبل أن ينطق بذلك ، بل لو لم يتصور له ذلك فى حال فالكلام عليه قبل تلك الحال. غير أن جمهورنا كما علمت إلا قليلا جدا ، وجمهورنا قومنا أيضاً يقولون : لا إيمان بلا إقرار ، ومن لم يشترط الإقرار فهل يحكم بإيمانه بدون أن يحكم بمعصيته بعد الإقرار أو لا يحكم بمعصيته؟ قولان لمن لا يشترط الإقرار ، بل قال النووي تلميذ ابن مالك صاحب الألفية والتسهيل فى العربية ، والحديث والتفسير فى شرح مسلم : أن أهل السنة من المحدثين والفقهاء ، والمتكلمين ، اتفقوا على أن من آمن بقلبه ولم ينطق بلسانه مع قدرته أنه مخلد في النار ، ولكن يرده ما ثبت أن لكل واحد من مالك وأحمد والشافعى وأبي حنيفة قولا بأنه مؤمن عاص بترك التلفظ ، بل ذكر ابن حجر كالكمال بن الهمام وغيره : أن جمهور الأشاعرة وبعض محققي الحنفية ، أن الإقرار باللسان إنما هو شرط لإجراء أحكام الدنيا فحسب ، حتى زعم بعضهم أنه لو أجريت عليه لنطقه بلسانه وهو كافر باطناً ، كنكاح مسلمة ، وأخذ ميراث قريب مسلم ثم زال كفره القلبي، احتمل حل الوطء وأخذ الإرث لقيام التلفظ به لإجراء الأحكام عليه ، والصواب عدم حل النكاح إلا بعد تجديده ، وإنما حلله بعد التجديد ، مع أنه زان بها إذ جامعها وهو مشرك ، للأثر الوارد : المشرك الزانى بامرأة ، إن أوله سفاح وآخره نكاح ، غير أن المرأة هنا مسلمة ، لكنها لم تدخل على نية الزانى بل غرها بتوحيد لسانه ، فيجوز لها العود إليه بنكاح جديد ، لأنها لا يصدق عليها أنها زانية ، وإسلامه هو جب لما صدر منه فى شركه ، والصواب أيضاً عدم أخذه الإرث المذكور ، وذلك لأنا إنما لم نؤاخذه بما فى باطنه أولا لعدم ظهوره لغيره ، وأما بالنسبة له فهو كظاهره ونظيره الحكم بشاهدي زور فى النكاح ، فإنه لا يحل لمن علم بالزور العمل بقضية ذلك الحكم عندنا جمهور قومنا ، وهو الصواب الموافق للكتاب والسنة ، واتفق من لا يشترط الإقرار ولا يجعله شرطاً ، على أنه لا ينفعه اعتقاده إلا إن نوى أنه متى طولب بالإقرار أو حضر له أمر لازم متوقف على الإقرار أقر ، فإن طولب أو حضر ذلك فامتنع أو اعتقد أنه لا يقر إذا طولب أو حضر ذلك ، فهو مشرك كما لو سجد لصنم أو استخف بنبي أو بالكعبة ، أو حضر ذلك فهو مشرك كما لو سجد لصنم أو استخف بنبى أو بالعكبة ، أو نحو ذلك من المكفرات ، واستشكل الحكم بكفره بأحد هذه المذكورات مع كونه مصدقاً بقلبه لما يلزم عليه أن تعريف الإيمان بالتصديق غير مانع لصدقه على هذا ، مع انتفاء الإيمان عنه ، وجوابه يعلم من تقرير مهمات يتعين التفطن لها ، وهى أنهم اختلفوا فى التصديق بالقلب الذى هو تمام مفهوم الإيمان عند الأشعرية ، أعنى أنه ماهية الإيمان أو جزء مفهومه عند غيرهم كما هو عند أصحابنا ، أعنى أنه جزء الماهية والجزء الآخر الإقرار ، فقيل هو من باب العلوم والمعارف ، ورد بأنا نقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به ، قال الله تبارك وتعالى :

٦٦ / ٧٬٦٨٠