3
الجزء ١ · صفحة ٦٨وقال إمام الحرمين وأبو الحسن الأشعري: إنه كلام النفس ، وإن المعرفة شرط فيه ، إذ المراد بكلام النفس الاستسلام الباطن ، والانقياد لقبول الأوامر والنواهي، وبالمعرفة إدراك مطابقة دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - للواقع ، أى تجليها للقلب وانكشافها له ، وذلك الاستسلام إنما يحصل بعد حصول هذه المعرفة ، ويحتمل أن كلا من هذين المذكورين ركن ، فلا بد من المعرفة إن جعلناها شرطاً أو ركناً ، ومن ضم الاستسلام لها لما من ثبوتها مع الكفر ، وقهراً على النفس ، وأما تعلق التكليف بها مع ثبوتها قهراً فى قوله تعالى : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله ﴾ فانما أريد به تحصيل أبوابها من القصد إلى النظر فى آثار القدرة الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته ، وتوجيه الحواس إليها ، وترتيب المقدمات المأخوذة من ذلك على الوجه المؤدي إلى المقصود ، وظاهر كلام شارح المقاصد أنه لا يكتفي بذلك العلم القهري، بل لا بد من تحصيله بعدُ بطريق الاستدلال ، ورُدَّ بأن حصول الاستسلام الباطن بعد حصول العلم القهري حصول للمقصود إليه ، فالوجه الاكتفاء بحصول القهري المنضم إليه الاستسلام ، والتكليف بتعاطى الأسباب مغن عن استحصاله بتعاطي أسبابه ، إنما هو لمن لم يحصل له ذلك العلم القهري، وأخذ بعضهم من أنه لا بد من ضم الاستسلام إلى المعرفة ، أن مفهوم الإسلام لغة الذى هو هذا الاستسلام جزء من مفهوم الإيمان ، وأطلق بعضهم اسم المرادف عليها . والأظهر كما قال بعض المحققين: إنهما متلازمان مفهومان ، فلا يعتبر شرعاً فى الخارج إيمان بلا إسلام ، ولا عكسه وأن التصديق قول للنفس مغاير للمعرفة وإن نشأ عنها ، إذ هو لغة لنسبة الصدق بالقلب أو اللسان إلى القائل وهو فعل وهي ليست فعلا ، بل من قبيل الكيف ، فكل منها ومن الاستسلام خارج عن مفهوم التصديق لغة وإن اعتبر شرعاً فى الإيمان ، ثم اعتبارهما فيه شرعاً إما على أنهما جزءان لمفهومه شرعاً أو شرطان لاعتباره ، وهو الراجح ، لأن الأول يلزمه نقل الإيمان عن معناه اللغوي إلى معنى شرعي، والنقل خلاف الأصل فلا يصار إليه بغير دليل ، بل الدليل على خلافه ، لأنه كثير فى الكتاب والسنة طلبه من العرب ، ولم يستفسر من أجاب إليه عن معناه اللغوي ووقوع استفساره عن بعضهم ، إنما هو عن متعلقه بدليل أن جبريل عليه السلام لما سأل عنه أجابه - صلى الله عليه وسلم - بذكر المتعلق ، إذ قال : « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره » ففسره بما يتعلق به ، ولم يفسر لفظه ، بل أعاد لفظه بقلبه أن تؤمن لأنه كان معروفاً عندهم لا نزاع فيه أنه لغةً مطلق التصديق ، وشرعًا تصديق بأمور خاصة وهي المعلومة من الدين بالضرورة ، فهو تصديق بها بمعنى اللغوي، ويدل لذلك حديث الشيخ عامر - C - في الإيضاح فى كتاب الكفارات فى الأمة التى أراد سيدها أن يعتقها عن دين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :