3
الجزء ١ · صفحة ٦٩« إذا جاءتك فأت بها » فأتاه بها فقال لها : « من ربك ومن أنا؟ » فقالت : الله ربى وأنت محمد رسول الله ، فقال : « إنها مؤمنة » فإنه يتبادر أنه إذا أراد أن يختبرها هل هي مؤمنة؟ فلما قالت ذلك أخبر أنها مؤمنة ، أي أنها مؤمنة قبل نطقها من قبل أن تأتي مثلا ، ولم يقل لها: إنها قد آمنت الآن ، بل أخبر بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت ، فأفاد ذلك أنه قد حصل لها اسم مؤمنة بما في قلبها بلا نطق ، وما أفادنا نطقها إلا معرفة حالها وغير هذا محتمل ، لكن غير متبادر . وانتفاء الإيمان بانتفاء المعرفة والاستسلام لا يستلزم جزئيتهما لمفهومه شرعاً ، لجواز كونهما شرطين له شرعاً فظهر أنه يمكن ثبوت التصديق لغة بدونهما ، وإن هذا الثبوت يمكن مجامعة الكفر له ، إذ لا مانع عقلا أن يصدِّق جبَّارٌ نبيا ويقتله ، لنحو حمق أو غاية هوى ، فقتله لا يدل على انتفاء التصديق به من أصله ، كما ظنه بعض الأئمة من أصحابنا ومن قومنا ، بل يدل على أن ما عنده من التصديق غير منج له شرعاً من النار ، ورأيت الله سبحانه وتعالى التلبس بالإيمان لازماً لا ينفك عنه وهو سعادة الأبد ، وعلى ضده شقاوته وهي لازم الكفر شرعاً ، وأنه اعتبر فى ترتيب لزم الإيمان وجود أمور بعدما يترتب لازم الكفر ، فمنها تعظيمه - سبحانه وتعالى - وتعظيم أنبيائه وكتبه وملائكته ، وترك السجود لنحو الصنم والاستسلام باطناً لقبول أوامره ونواهيه الذى هو معنى الإسلام لغة ، فلو كان رجل مصدقاً بوحدانية الله سبحانه وتعالى ورسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وبكل ما يجب التصديق به مجملا أو مفصلا ، ثم سجد لصنم فهو باق على ذلك التصديق فى قلبه لم ينقص منه شيئاً ، فبالظاهر نقول إنه غير مشرك ، وسجوده للصنم منزل منزلة سائر الكبائر التى يفعلها تشهياً إذا اعتقد تحريم ذلك ، وبالتحقيق نقول : إنه مشرك ناقض لإيمانه وتصديقه ، لأنه إذا سجد للصنم ورآه أهلا لأن يسجد له فقد جعل لله شريكاً ، ولو اعتقد تحريم الإشراك والسجود لغيره ، وإن سجد له عبثاً ففعله كبيرة نفاق ، وقيل شرك ، واتفق أهل الحق والأشاعرة والحنفية : أنه لا يعتبر إيمان بلا إسلام ولا عكس ذلك ، إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر إذا أخذ بالمعنى الحقيق لهما ، ولكنا أهل الحق والحنفية خالفنا الأشاعرة ، إذ حكمنا بتكفير بعض الناس بأقوال وأفعال ، ووافقنا محققو الأشاعرة كتعمد صلاة بلا وضوء ، ودوام ترك سنته استخفافاً بها واستقباحها ، كإحفاء الشارب وجعل طرف العمامة تحت الحلق ، فمن قصد الاستخفاف بالسنة أشرك مطلقاً ، ومن فعل خلافها بلا استخفاف نافق وكفر كفر نفاق ، وهو كفر نعمة إذا كانت غير واجبة ، ومن أنكر ما هو من الدين وليس علمه ضرورياً ، بل فيه خفاء ، كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب ، فلا كفر لإنكاره عند الشافعية ، وكفره الحنفية إن علم ثبوته قطعاً ، أو ذكر له أهل العلم أنه قطعي فاستمر على جحوده ، وكفره أصحابنا مطلقاً لأنه يعذر عندهم فى جهل ما هو موسع ، ما لم يدخل فيه بخلاف الحق .