شروط المعجزة
الجزء ١ · صفحة ٥٧السلام.
أما نبي الله عيسى عليه السلام فكانت معجزته إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى، وير كثير من العلماء ذلك إلى رقي الطب في عهده ومعرفة الناس بما يمكن علاجه بالوسائل الطبية وما لا يمكن ومن حيث أن الطب لم يتوصل إلى مثل هذه الأمور دل ذلك على أن ما جاء به عيسى ليس هو من الطب في شيء، وبالتالي ليس من مقدور البشر وإنما هو أمر إلهي يدل على صدق رسالته، غير أن العلامة أبا زهرة في كتابه(المعجزة الكبرى) يرى أن بني إسرائيل لم يكونوا أهل طب وإنما كانوا قوما ماديين لا تتجاوز أفهامهم المادة إلى ما وراءها ولا تصدق عقولهم بالأمور الغيبية ولذلك كانت التوراة الموجودة بين أيدينا اليوم- وهي منسوخة من توراتهم المحرفة- يقل فيها ذكر الأمور الغيبية حتى أن الروح مفسرة فيها بالدم، ويرد أبو زهرة انتشار الفلسفة المادية بين الإسرائليين آنذاك إلى الفلسفة الأيونية والفلسفة اليونانية اللتين كانتا تسيطران على عقولهم، ومن هنا يرى أبو زهرة أن الآيات التي قرنت بها دعوة عيسى عليه السلام جاءت لإبطال سلطان المادة، وتعزيز جانب الروح وهي ملائمة لجو الرسالة المذكورة فإن أولئك القوم المرسل إليهم لا يؤمنون إلا بارتباط المسببات بأسبابها ولا يصدقون بإمكان الانفصال بينما بسبب تأثير الفكرة المادية عليهم حتى أنهم كانوا يردون نشأة الكون إلى فلسفة مادية بحتة وذلك أنهم جعلوا حدوثه بمقتضى النظام القانوني من غير إرادة من الخالق، ومع أن هذه المعجزات كانت مقوية لجانب الروح على جانب المادة فهي أيضا مبطلة لقانون الترابط بين المسببات والأسباب من تلقاء نفسها، وإنما تدل على أن ترابطهما بحكمة قوي قاهر يدبرها ويصرفها وقد كانت ولادة عيسى عليه السلام من غير أب مع طهارة أمه وعفتها دليلا على بطلان هذا الترابط عندما يشاء الله- سبحانه- وقوع أي أمر من غير سبب طبيعي مألوف.
ولست أجد أي مانع من الجمع بين رأي العلامة أبي زهرة ورأي العلماء