جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

حيرة العلماء في وجوه الإعجاز القرآني وأسراره

الجزء ١ · صفحة ٦٦

نشأته إذ لا يرده إلى الكسل كما يقول الآخرون وإنما يرده إلى نزعة التجديد والرغبة في اتباع كل غريب، وقال إن فلسفة هؤلاء تنساق وراء الفلسفات المستوردة لا لأجل أصالتها وإنما لأجل غرابتها فهم عشاق لكل غريب، ومن هنا يرى أبو زهرة أن فكرة الصرفة التي قالها بعض الإسلاميين هي وليدة فلسفة الديانة البرهمية الهندية وذلك أن البراهمة يعتقدون أن فيدا- وهو الكتاب المقدس عندهم- لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل الأشعار والمقالات التي يجمعها ويردون ذلك إلى المنع لا إلى ذات تلك المقالات كما جاء ذلك في كتاب البيروني " ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" فقد حكى- كما ذكر أبو زهرة- عن خاصة البراهمة أنهم يقولون إنهم بإمكانهم أن يأتوا بمثل تلك المقالات والأشعار، ولكن براهما منعهم من ذلك وقد تساءل:

هل هو منع تكليفي أو تكويني؟ ورجح أنه تكويني ويرى أبو زهرة أن منشأ هذه الفكرة الاغترار بمثل هذه الفلسفات المستوردة فقد أراد القائلون بالصرفة أن يطبقوا على القرآن ما قرءوه أو سمعوه عن فيدا، وأول من اشتهر بهذا المذهب إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام وكان أول من رد عليه تلميذه الجاحظ.

وحكى عن الشريف المرتضي من أئمة الشيعة أنه يرى رأي النظام لكنه يرد ذلك إلى جهل الناس بالعلوم التي يحتويها القرآن، ومفهوم قوله أنه لولا الجهل لأمكنهم الإتيان بمثله، ولابن حزم في كتابه " الفصل في الملل والأهواء والنحل" كلام يفيد أنه يميل إلى القائلين بالصرفة، وإن تعجب فعجب أن يجمع هذا المذهب بين المعتزلي الذي يعتمد على مقاييس العقل في العقائد والأعمال بحيث يرفض النص إن خالف العقل أو يؤوله بما يتفق مع دلائله ومقتضياته، وبين الظاهري الذي هو أسير ظاهر النص لا يتجاوز نظره شكله إلى مضمونه هذا ويرى أبو زهرة أن مذهب ابن حزم الظاهري يقتضي عدم النظر في إعجاز القرآن ما دام النص لم يأت ببيان وجه إعجازه، إذ في التفتيش عن وجوه الإعجاز تجاوز

٥٧ / ١٬٢٢٠