القرآن الكريم يقدر الجانب العقلي والجانب العاطفي من الإنسان
الجزء ١ · صفحة ٧٦وهذا يعني أن تترتب المعاني في الذهن بتصور عميق فإذا فاضت بعد على اللسان أو القلم خرجت مترتبة بحسب ترتبها في الذهن فتتمثل أمام السامعين أو القارئين وكأنما هي مشاهد حية وصور ماثلة، وبهذا أمكن للبليغ أن يحول المعاني الذهنية والانفعالات النفسية والمشاهد الغائبة إلى حقائق مرئية وأمور محسوسة، وإذا كانت هاتان الصفتان هما منشأ بلاغة البلغاء فإن القرآن الكريم- وهو كلام الخالق سبحانه الذي لا تخفى عنه خافية والذي يهب النفوس القدرة على التصور ويمنح الألسنة موهبة التصوير- لأجدر بأن يكون أعلى طبقة من كل بلاغات البلغاء وأوفى دلالة وأغرز معنى وأعمق أثرا وأسمى مقصدا وأرصن لفظا لأنه صادر عن العليم بكل شيء والقدير على كل شيء ومن هنا كان القرآن الكريم يقدر في خطابه للإنسان الجانب العقلي والجانب العاطفي منه…وهذا مما يميزه عن سائر الكلام، ذلك لأن إمتاع العاطفة بالحديث العاطفي وإقناع العقل بالكلام العقلي وبقدر ما يكون المتكلم واقعا تحت تأثير أحد هذين الأمرين يكون متحررا من تأثير الأمر الآخر، فحكمة الحكماء نابعة عن العقل ولا أثر فيها لسلطان العاطفة وشعر الشعراء من وحي العاطفة ولا أثر فيه للعقل ولذلك كان في كلام الحكماء إقناع العقل وفي كلام الشعراء وإمتاع العاطفة فلو أمعنت النظر في قول الحكماء:
"الحكم على الشيء فرع تصوره" لوجدته ينجذب إليه عقلك انجذابا لأنها حقيقة لا يماري فيها العقل لكنك لا تجد في قولهم هذا ما يحرك ما سكن من مشاعرك أو يؤجج ما خمد من عواطفك، ولو طرق سمعك قول امرئ القيس:-
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" لوجدت نفسك تفيض مشاعرها وتتحرك أوتار شعورها حتى ليكاد قلبك ينخلع من بين جنبيك فيطير مما استهواه من كلام يتدفق بفيض عاطفي لكنك لو فتشت من بين هذا الكلام عن حقيقة تقدمها غذاء لعقلك فإنك لن تعود بشيء إلا بما يعود به الظمآن الذي يلاحق السراب ولا تكاد تجد في كلام الناس ما يجمع بين طلبة