جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

القرآن الكريم يقدر الجانب العقلي والجانب العاطفي من الإنسان

الجزء ١ · صفحة ٧٧

العقل ومتعة الوجدان في آن واحد أما القرآن الكريم فبما أنه كلام الله المنزه عن الانفعالات والتأثيرات الذي وجهه إلى الفطرة الإنسانية فهو يجمع في ثنايا عباراته بين ما يمتع الذوق ويرهف الحس وبين ما يغذي العقل ويرضي الضمير سواء كان خطابه في الأمر والنهي أو في الوعد والوعيد أو في القصص والأمثال أو في الوعظ والتذكير، فلو نظرت مثلا إلى قول الحق سبحانه"الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" ( البقرة/275) لوجدت من الحقائق التي لا يكابر فيها إلا من كابر عقله مع ما تجده من جمال التعبير ودقة التصوير مما يمتع ذوقك ويحرك شعورك ويبعث الكامن في وجدانك وانظر أيضا إلى قول الله سبحانه: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى " ( المائدة/8) تجد ما يجمع لك بين طلبة عقلك ومتعة عاطفتك في هذه الكلمات القليلة ولو أن ألسنة الثقلين أديرت على كلام يجمع ما بين هذا المعنى الغزير وما اقترن به من جمال التصوير ولطافة التعبير وسلاسة الأسلوب وسلامة التركيب لم يتأت ذلك أبدا إلا في هذه الحروف بعينها وبنفس هذا الترتيب وقل مثل ذلك في مطلق الآيات بغير استثناء.

---

٦٧ / ١٬٢٢٠