جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

من مميزات التعبير القرآني

الجزء ١ · صفحة ٨٥

الهمزة وهي من الحروف الشديدة أيضا، وجردت تفتأ من لا النافية لتخلص الشدة في التركيب ثم جاءت كلمة "تذكر يوسف" وتذكر فيها حرفان من حروف الشدة وهي التاء والكاف، ثم جاءت جملة"حتى تكون حرضا" في هذا الموضع لتتم ندرة التعبير فإنها مع ثقلها نادرة الوقوع، وهذا التعبير القرآني يعكس الحالة النفسية التي كان عليها المحكى عنهم فإنهم كانوا يشعرون كلما طرق ذكر يوسف مسامعهم أو خطر على قلوبهم ببشاعة جريمتهم فتتصور لهم في سويداء قلوبهم وتتمثل لهم أمام سواد أعينهم وتجرد لهم ضمائرهم سياطا من الملامة تلذعهم بوقعها في نفوسهم، فقد جنوا على أبيهم الشيخ الكبير الحاني وعلى أخيهم الناشئ الصغير الضعيف وهم يرغبون في التخلص من الإحراج الذي يواجهونه كلما دار اسم يوسف على لسان لا سيما لسان أبيهم الذي لا ينفك عن ذكره ولا تبارح نفسه ذكراه.

فلا غرو إذ جئ بمثل هذه الكلمات الشديدة النادرة في الحكاية عنهم، وقل مثل ذلك فيما حكي عنهم من قولهم"قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ"( يوسف/73) فإن الحكاية قسمهم بالتاء تعكس انفعالهم وكذلك ما ذكر عن إبراهيم عليه السلام من قوله"وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ" ( الأنبياء/57) فإن المقام مقام غضب وانفعال من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام بسبب تعنت قومه في الكفر وإصرارهم عليه واتخاذهم الأنداد لله سبحانه.

---

٧٥ / ١٬٢٢٠