من مميزات التعبير القرآني
الجزء ١ · صفحة ٨٤بحيث لا يشعر من حولهم بما أوحي إليهم به وبين سبحانه أن الموحى به روح من أمره والروح أنسب بالوحي لما في الروح من اللطف والخفاء ويظهر أن الأرجح تفسير الروح هما بالقرآن لا جبريل فإن الموحى به هو القرآن وحمله على جبريل- كما يقول كثير من المفسرين- لا يتأتى إلا إذا فسر أوحينا بأرسلنا وبين- سبحانه- في الآية أن الروح الموحى به من أمره فلا دخل لأهواء الناس ونزعاتهم فيما أوحي به ولا تأثير لشيء عليه وفي التعبير بالروح أيضا ما يشعر بأن الموحى به سبب للحياة، كما أن الروح التي تنفخ في الجسم سبب لحياته، وإنما حياة الناس بالروح الموحى به حياة معنوية فهي حياة العقول والأفكار وحياة المشاعر والأحاسيس ثم أتبع ذلك قوله"ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان" لإظهار المنة على النبي صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله بالوحي وهداه به ولم يكن يقرأ قبله من كتاب ولا يعرف تفاصيل الإيمان وإن وقر مجمل الإيمان في قلبه، إذ لم تؤثر حياة الجاهلية على عقله ولا سلوكه ثم تلا ذلك قوله "نهدي به من نشاء من عبادنا" لبيان أثر القرآن فهو نور من الله يشرق على العقول فيهديها ويطوي من النفس ظلمات الطبع ثم بين- تعالى- تشريفه لرسوله صلى الله عليه وسلم بجعله هاديا إلى صراط مستقيم يهدي ببيان ما أنزل إليه من الكتاب يفصل مجملاته ويوضح مبهماته وينشر طواياه فانظر إلى هذا التناسق بين الكلمات والتساوق في المعاني وما تجده من لذة وقع الكلمات في سمعك وأثر معانيها في نفسك، وتجد التآلف بين الحروف كالتآلف بين الكلمات وخذ مثلا قوله تعالى عن أخوة يوسف"قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ" ( يوسف/85) تجد تصدير المحكى عنهم بالقسم ولم يكن القسم بالباء أو الواو وإنما كان بالتاء وهي مقرونة بما يضاهيها من الحروف والكلمات في الشدة والندره، منها كلمة "تفتأ" التي تكررت فيها التاء وتلتها