سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٨وبعد هذا التمهيد على ضوء حديث رسول الله نأخذ في تفسير الآيات بدءا بالحرفين: (يَسِ)، فهما حرفان هجائيان، يقرآن باسمهما كسائر الحروف المقطّعة والمبدوءة بها بعض السور القرآنية، وعددها تسعة وعشرون حرفا، والله وحده يعلم ما ترمز إليه، وإن كان للعلماء اجتهادات في بيان معانيها، ولكننا نجتزئ هنا على ما سبق ذكره في أوائل السور الأخرى من أنها تحدّ للمشركين، بأنّ هذا القرآن المعجز في مبناه ومعناه إنما هو مصوغ من جنس تلك الأحرف التي يعرفونها ويستعملونها في كلامهم، ولكنهم عاجزون عن الإتيان ولو بسورة من مثله في نسقه التعبيري والتفكيري.
(وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ):
أقسم الله بالقرآن تنويها بشأنه وتعظيما لقدره ومنزلته عند الله، وهو الكتاب المنزّل من عند الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلممقسّطا منجّما، في مدة ثلاث وعشرين سنة ما بين مكّة والمدينة، ووصفه الله تعالى بالحكيم، وهو وصف للحيّ العاقل الذي يتصف بالحكمة، ومن معانيها وضع الأشياء في مواضعها، أو أنّه بمعنى المُحكم، من الإحكام، أي الإتقان في مبناه ومعناه، وفي أغراضه ومراميه، فوصف القرآن بما يوصف به الكائن الحيّ يضفي عليه قوة الإرشاد والتوجيه وقوة التأثير حتى لكأنه شخص عاقل لا يحدّثنا إلا بالحكمة، ويختار ما يلائم طبائعنا ويلامس شغاف قلوبنا مما يؤثر في سلوكنا الإرادي، فتكون عبارة: (وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ) هي المقسم به، فاجتمعت بذلك آية العظمة في المقسِم، وهو الله تعالى، والمقسَم به وهو القرآن العظيم، فهو كما قال تعالى في سورة الواقعة: (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، اِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ) (الواقعة:76 - 77). والمقسم عليه هو قوله تعالى: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).