سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٢٩٩وتوجيه الخطاب مباشرة إلى رسول الله بمثل تلك التوكيدات مع الإغضاء من ذكر المشركين، فيه إعلاء لمقام رسول الله وتأمين له مع التعريض بالمشركين الناكرين لرسالته، وإلا فهم أحقر من أن يقسم الله بهم، وزيادة في ذلك التنويه بشأن رسول الله أردف الخبر الثاني بإثبات الاستقامة له على صراط الله السوّي شهادة من الله، وقد اختار حرف "عَلَى" لإفادة التمكن والثبات، وأنّ الدين الذي يدعو إليه شبّهه بالطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وبذلك يكون الله قد شهد برسالة محمد أنّها حقّ وصدق وأنّ شريعته هي الهدى المرتضى منه لعباده، كما قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاَرْضِ أَلآَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الاُمُورُ) (الشّورى: 52 - 53).
(تَنزِيلُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ): زيادة التشريف للمقسم به، وهو القرآن الحكيم، وإضافة التنزيل إلى الله بصفتي العزيز الرحيم، وهما صفتان مناسبتان في هذا المقام، إذ جمع به لذاته العلية القوة والعزة في حمل الخلق على اتّباع الحقّ وسلوك طريق الهدى دونما إكراه ولا قهر، ولكن دونما مجاملة ولا ضعف للكفار المعاندين، على أن يكون ما في القرآن من الأحكام والوصايا والتوجيهات من آثار رحمته كما قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ) (الإسراء:82). فكل من القرآن الحكيم والمنزل عليه، وهو رسول الله، هما من آثار رحمة الله على خلقه، إذ لم يتركهم حيارى تائهين يشقون في حياتهم بلا مرشد ولا دليل، لأن الشرائع التي وضعها البشر من أقدم العصور إلى يوم الناس هذا، لم تحقق لهم أية سعادة ولا استقرار، لما يغلب عليها من تأثير الأهواء والمصالح الآنية، فلا ثبات ولا مصداقية إلا لشريعة الله، وهو أعلم بمن خلق.