نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٠٠

وبعد التّنويه بشأن القرآن وشأن المنزل عليه بيّن الله تعالى العلّة التي من أجلها أنزل القرآن وبعث الرسول فقال مخاطبا إياه: (لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)، والإنذار هو الإخبار بالعاقبة السيئة المؤسفة، فمهمة الرسل هي البشارة والنذارة كما وصفهم الله بذلك وقال: (رُسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةُم بَعْدَ الرُّسُلِ) (النّساء:165). وخصّ رسول الله هنا بمهمة الإنذار، وقد تكرّرت في القرآن أكثر من التبشير لأن الناس بطبيعتهم يتأثرون بما يخوّفهم أكثر، وقوم رسول الله في كفرهم وعنادهم هم أدعى إلى مثل ذلك التخويف، وقد وصفهم الله بالغفلة، إذ هم في تراكمات من الضلالات بحيث لا يعرفون أنهم مكلّفون بما تأتي به الرسل والشرائع المنزلة من عند الله. والمقصود بـ"القوم" إمّا سائر العرب ممن لم يبعث فيهم رسول، فيكون آباؤهم ممن جاء بعد ولد إسماعيل عليه السلام فينطبق الأمر على عرب قريش، إذ باشر النبي أول دعوته فيهم كما أمره الله بقوله في أول رسالته: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِينَ) (الشّعراء:214)، (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (الشّورى:7)، فيكون معنى الآية: أنزلنا عليك الكتاب لتبلغ الناس ما أنزل إليك من ربك وتوقظهم من الغفلة التي هم عليها بما تراكم عليهم من الضلال من عهد آبائهم الأولين إذ لم يبعث إليهم رسول ينذرهم من عذاب الله. فتكون: (مَآ أُنذِرَ) للنفي، لا لغيره مما ذهب إليه بعض المفسّرين، فللنفي مرجحات من الآية ذاتها، وهي التفريع بجملة: (فَهُمْ غَافِلُونَ)، ومن قوله تعالى مما سبق في سورة فاطر: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنِ اِحْدَى الاُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمُ إِلاَّ نُفُورًا) (42).

٤٬٦١٢ / ٦٬٧٦٧