سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٣٢٣قوله تعالى: (وَإِن كُلٌّ لَّمَا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ)، وعلى اختلاف القراءة للآية فإنّ موقع هذه الآية مما قبلها هو لنفي اعتقاد المخاطبين بعدم وقوع البعث، إذ أكّد الله بها الرجوع إليه وحضور جميع الخلائق بين يدي الله ليوم الحساب والجزاء، وأنهم مسوقون إلى ذلك قهرا، إذ يسلب منهم الاختيار الدنيوي الذي كانوا يتمتعون به.
ولإثبات قدرته تعالى على البعث عدد آيات عظمته وقدرته فقال: … (وَءَايَةٌ لَّهُمُ الاَرْضُ الْمَيِّتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ).
إنّ الرّسل يدعونهم لمعرفة الله وإخلاص العبادة له، لأنّ كلّ ما في الوجود حولهم يحدّثهم عن الله وينبّئهم إلى دلائل قدرته، مما لا يستطيعون إنكاره، وتلك الدلائل هي طوع أيديهم تنطق وتدلّ على قدرة الله، وكلّ منها آية في العظمة لو كانوا يتأملون.
فهذه الأرض التي هي مهاد لهم، من بثّ فيها الحياة لتوفير أرزاقهم وقد كانت ميتة جرداء، فإذا القدرة الإلهية تحييها بما ينزل عليها من الأمطار، فإذا هي تجود بأنواع الخيرات رزقا لهم؟، وجاء بنون العظمة وصيغة الماضي لتحقق ذلك في واقعهم المعيش، وقد ركّز الله على الحبوب وأنها عماد الطعام، وثنّى بأنواع الثّمار الأخرى، وخصّص بالذّكر منها النخيل والأعناب، وهما من أطيب وأنفع أنواع الثمار، وتفجير العيون الجارية للسقي على مختلف أنواعها، فهي إلى جانب كونها شرايين الحياة للأرض، فهي -أيضا- تشبع فيها الحاسّة الجمالية وهي تنساب تحت الظلال الوارفة لتلك الأشجار المثمرة.