نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٢٤

وقوله تعالى: (وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ) إمّا أن يكون عطفا على قوله: (لِيَاكُلُوا مِن ثَمَرِهِ) الذي هو من صنع الله، ويأكلوا ما صنعوه بأيديهم منه من أنواع المشروبات والمرطبات، والاحتمال الثاني -وهو الأرجح- أن تكون: "مَا" نافية، فيكون المعنى: إننا نأكل من الحبّ والثمار التي هي من صنع الله وحده، ليس لنا في ذلك أي عمل نقوم به في أصل الخلق والتكوين، وهذا المعنى هو أرجح لتمام المنة الربانية علينا، ويؤيّده قوله تعالى في سورة الواقعة: (أَفَرَآيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، ءَآنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (64 - 67).

وما تزال الحياة لغزا محيّرا لعقول البشر، لم يتوصلوا إلى فكاكه، والله يقول لنا في شأنها: (قُلِ الرُّوحُ مِنَ اَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:85). والتعقيب بقوله: (أَفَلاَ يَشْكُرُونَ) هو لإنكار كفر المعاندين مع وضوح تلك الآيات الدالة على قدرة الله والباعثة على الشكر لو كانوا يعقلون.

(سُبْحَانَ الذِي خَلَقَ الاَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الاَرْضُ وَمِنَ اَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ):

ما أروع هذه الجملة الاعتراضية بعد بيان أدلة قدرته تعالى، لتعظيم شأنه تعالى والتسبيح بحمده كما تفعله سائر المخلوقات ما عدا هذا الإنسان الكفور الكنود، فهو تعالى منزه عن كل ما لا يليق بجلاله مما يقوم به المشركون، فهي تسبيحة يرددها الوجود كله تعظيما للخالق المبدع الذي خلق الأزواج كلها، والزوجية المعلنة في هذه الآية هي حقيقة وجودية أثبتها القرآن بهذه الآية وبقوله تعالى: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَّكَّرُونَ) (الذاريات:49).

٤٬٦٣٦ / ٦٬٧٦٧