نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٢٧

ب) - والظاهرة الثانية، يبينها قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَالِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)، والجري هو السير المنتظم للانتقال من مكان إلى آخر، والمستقر: هو مكان الاستقرار وزمانه، أو هو مصدر ميمي، إذن للشمس مستقرّ تنتهي إليه، فهي سابحة في الفضاء الكوني وحولها توابعها من السيارات المضبوطة عند الفلكيين، ومنها الأرض التي نعيش على ظهرها، ويبقى ضبط ذلك المستقرّ ومتى تنتهي إليه، يبقى ذلك لتقدير علم الله وحده، فإذا عرفنا أنّ هذه الكتلة الملتهبة، والتي لولاها ما كانت حياة على وجه الأرض، إذا عرفنا أنّ حجمها يبلغ مليون ضعف لحجم أرضنا عرفنا عظمة تلك القدرة الإلهية التي تسيّر هذا الكون العظيم، فهو العزيز القويّ القاهر، وهو العليم بما خلق، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

ج) - والظاهرة الثالثة هي قوله تعالى: (وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)، القمر تابع للأرض يصغر عنها بخمسين مرة، وهو يدور حولها في شكل بيضاوي، وهو جرم مظلم ينعكس على سطحه نور الشمس، والوجه المواجه منه للشمس في دورته الشهرية حول الأرض يعطي من النور بمقدار ما يرى منه سكان الأرض كل يوم من ميلاده إلى محاقه في آخر الشهر، وتلك هي المنازل التي قدّرها الله بإحكام ويضبطها علماء الفلك، وقد شبه الله تعالى الهلال عند المحاق، أي في منازله الأخيرة، شبّهه بالعرجون القديم، ويُعرّف ابن عباس العرجون بقوله: "العرجون أصل العذق الذي تتفرع عنه أعواد الشّمراخ الذي يحمل الثمر"، ووصفه بالقديم يتناسب مع صفة الهلال عند المحاق في اصفراره وشحوبه، ولحركة القمر ومنظره العجيب في جماله وإشراقاته تأثير خاص بمشاعر الإنسان وأحاسيسه، عبّر عنها الشعراء والفنانون قديما وحديثا، فسبحان الخالق المبدع.

٤٬٦٣٩ / ٦٬٧٦٧