سورة يس
الجزء ١٤ · صفحة ٣٣٣تجسد هذه الآية الكريمة واقعا معيشا بما اقتضته حكمة الله من تفاوت الأرزاق بين الناس ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وينتفع بعضهم من بعض، ولا ينبني ذلك التفاوت على معيار الكفر والإيمان، ولا على حبّ الله وبغضه لبعض خلقه، تعالى الله عن ذلك، بل جعل الله كلا من الغنى والفقر ابتلاء واختبارا على الصبر والشكر، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35). ومعلوم من السيرة النبوية أنّ المجتمع المكّي مجتمع طبقات، وأن أغلب أصحاب رسول الله من طبقة المستضعفين المحرومين، وقبل فرض الزكاة وجعلها حقّا في أموال الأغنياء للفقراء كان القرآن المكّي يحثّ على الصّدقة وإطعام المساكين، بذلا وتطوّعا ابتغاء ما عند الله، ولكن المشركين وجدوا في دعوة الإنفاق شبهة جدلية تعللوا بها للشّحّ والبخل بأموالهم وجعلوها مثار سخرية وتهكّم برسول الله والمؤمنين، فكانوا يجيبون بقولهم: (أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ اللهُ أَطْعَمَهُ)، وذلك بناء على معتقد المسلمين بأنّ الله هو الخالق الرازق، فيدّعون أن امتناعهم من التّصدّق على الفقراء هو مجاراة لمشيئة الله في حرمان هؤلاء، إذ لو شاء لأطعمهم من رزقه، وإذ قد حرمهم الله فهم يستحقون ذلك.