نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٤٩

فيكون هذا النداء تذكيرا بما حدث في الدنيا وإقامة للحجة على الخلق بأن الله أنذر وحذّر من عبادة الشيطان، إذ هو العدوّ اللدود لأبينا آدم وذريته، وعبادته تكون بطاعته في ما يأمر به من الفحشاء والمنكر واتخاذ الشركاء لله، وعداوته لكم واضحة لا لبس فيها، ولما كانت العبادة صفة إنسانية تقتضيها الفطرة فقد أمر الله بإفراد العبادة له، لأنه المعبود الحق، وأعقب ذلك الأمر بقوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) إشارة إلى قداسة ذلك العهد المقطوع بين العبد وربه، بأن الوفاء به هو الصراط المستقيم لضمان الحياة السعيدة دنيا وأخرى والإشارة إليه للتعظيم، وهو المنهج الإلهي الذي ارتضاه لخلقه، فرسمه وأكمله عن طريق الوحي لرسوله وقال له: (فَاسْتَمْسِكْ بِالذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الزخرف:43).

ولما كان الشيطان هو العدوّ الألدّ للإنسان منذ بدء الخليقة فقد نبّه الله إلى الواقع التاريخي في اغترار البشر بمكايد الشيطان إذ أضلّ أجيالا كثيرة فقال تعالى: (وَلَقَدَ اَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلاًّ كَثِيرًا).

فهي إذا تجربة واضحة شهدت بها الأجيال كما تحدّى بذلك ربّ العالمين إذ قال: (لَئِنَ اَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء:62). وقال: (ثُمَّ ءَلاَتِيَنَّهُم مِّنم بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنَ اَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف:17).

(اَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ): فرّع الله على ذلك التنبيه هذا الاستفهام الإنكاريّ وهو يخاطب المغرورين بفتنة الشيطان، توبيخا لهم لعدم استعمالهم لعقولهم لإدراك وصية الله والوفاء بعهده، وقد أقام عليهم الحجة، ولكنهم لا يتدبرون ولا يعقلون، ولذلك استحقوا مثل هذا التهديد من الله تعالى موجها الخطاب إليهم.

٤٬٦٦١ / ٦٬٧٦٧