نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٥٢

بعد ذلك المشهد المثير للمجرمين في موقف الحساب وأفواههم مختوم عليها وأيديهم وأرجلهم تتكلم وتشهد عليهم على غير ما كانوا يتوقعون، أعقب الله بيان قدرته على أن يفعل بهم أكثر من ذلك في الدنيا بتسليط أنواع من البلاء عليهم، وفي هذا البيان تطمين للمسلمين ممن كان يتمنى أن لو عجّل الله العذاب للمشركين في الدنيا قبل يوم القيامة وأنه تعالى لا يعجزه ذلك، ولكن اقتضت حكمته أن جعل نظام الدنيا جاريا على سنن وأسباب تنتج عنها مسبباتها وفق إرادته ومشيئته تعالى، ومن ذلك أن يستدرج ويملي للظالمين، وقد عرض الله نوعين من البلاء الدنيويّ لو شاء لسلطهما على الكافرين المستهزئين، ولذلك جاء التعبير عنهما بـ (لَوْ نَشَآءُ)، و"لو" حرف امتناع لامتناع، فهو يقتضي امتناع حصول تلك المشيئة، لتحقيق معنى الاستدراج وإقامة الحجة، وفي ذلك تبصرة للمؤمنين وحملهم على الصبر حتى يأتي نصر الله.

أولى ذلك البلاء الدنيويّ الممكن حصوله للمجرمين أن يطمس الله عيونهم بالكلية فلا يبصرون وبالتالي لا يهتدون إلى سبيلهم، وهم يتلمسونه ويتسابقون إليه في تخبّط وتصادم فكيف يبصر فاقدو البصر؟، ويتمثل البلاء الثاني في مسخهم إما بتشويه صورهم أو تحويلها إلى خلق آخر كالقردة والخنازير، كما فعل الله بمن سبقهم فيجمدون على ذلك في مكانهم، فلا يستطيعون المضيّ في طريقهم إلى الأمام ولا يرجعون إلى الوراء، فهم فاقدو الحركة جامدون، فيكونون محلّ سخرية واستهزاء.

فليس الله بعاجز على ذلك لو شاءت حكمته بتعجيل العذاب لهم في الدنيا.

٤٬٦٦٤ / ٦٬٧٦٧