نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة يس

الجزء ١٤ · صفحة ٣٦١

عطف على الجملة السابقة: (أَوَلَمْ يَرَوَا اَنَّا خَلَقْنَا لَهُم)، وبين الآيتين تناسب كبير، لأنّ المشركين في اتخاذهم لتلك الآلهة الباطلة كانوا يتقربون إليها بذبح تلك الأنعام راجين منها النصر والتأييد في مختلف شؤونهم الدنيوية ويتصرّفون في تصنيفها، فيحلّلون منها ما يشاؤون ويحرّمون، كما فصّلته سورة الأنعام، وما يزال التقرب بالنُّسك لغير الله بدعة يمارسها كثير ممن يدّعون الإسلام، إذ يتخذون أعمدةً للذبح على كثير من أضرحة الأولياء، وفي أماكن يقدّسونها تبعا لتقاليد وعادات فاسدة تعدّ من الشرك الخفيّ في طلب النفع والاستنصار بغير الله. فلم يتغيّر من الوثنية عند هؤلاء إلاّ الشكل والوسيلة، بينما نصوص القرآن تندد بذلك في أمثال هذه الآية الكريمة.

وإبراز لفظ الجلالة: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ) دون الإضمار، لاستثارة مشاعر التعظيم لمعنى الألوهية في نفوس المخاطبين؛ لأنّهم يؤمنون بوجود الله، وبخالقيته ورازقيته، ولكنّهم لفساد تصوّرهم لمعنى الألوهية الحقّة اتّخذوا تلك الآلهة الباطلة لتشفع لهم عند الله جريا على ما ألفوه في الدنيا من التحالف والتناصر والتّقرب لذوي السلطان والنفوذ ما تفيده جملة: (لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ)، أي وفق معتقدهم الفاسد، إذ أن فعل: (اتَّخَذُوا) يدلّ على الفعل الإرادي المتكلّف، بينما الواقع الذي يفرض نفسه ويلائم الفطرة السليمة أنّ النّصر لا يكون إلاّ من الله العليّ القدير، لأنّ تلك الآلهة الباطلة لا تملك لهم نفعا ولا ضرّا، وأجرى عليها ضمير العقلاء: (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ) تبعا لمعتقد المشركين بأن لآلهتهم إدراكا تعلم أحوال عابديها.

وقوله تعالى: (وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ) جملة حالية، يحتمل في ضميرها وجهان:

٤٬٦٧٣ / ٦٬٧٦٧