نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٤١٨

وقد ظهرت إشكالية نسبة الكذب إلى نبي عند كثير من المفسّرين، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلمعن أبي هريرة أنه قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهن في ذات الله عز وجلّ بقوله: (إِنِّي سَقِيمٌ)، وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا) (الأنبياء:63). وبينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فسأله عن سارة فقال: هي أختي».(1)

وقد حاول المفسّرون دفع ذلك الإشكال بتأويلات لا تخلو من تكلّف، ونجد الإمام ابن عاشور يورد في تفسير هذه الآية جوابا فيه حظ من النظر فيقول بعد ذكر أجوبة بعض المفسّرين، يقول: "وهذه الأجوبة لا تدفع إشكالا يتوجه على تسمية هذا الكلام بأنه كذبات، وجوابه عندي: أنه لم يكن في لغة قوم إبراهيم التشبيه البليغ ولا المجاز ولا التهكّم، فكان ذلك عند قومه كذبا، وأنّ الله أذن له فعل ذلك وأعلمه بتأويله، كما أذن لأيوب أن يأخذ ضغثا من عصيّ فيضرب به ضربة واحدة ليبرّ قسمه إذ لم تكن الكفارة مشروعة في دين أيوب عليه السلام".(2)

قلت: وقريب منه ما أورده القطب في تيسيره قال: " (فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ) في الحال سقما، فإن أقوى الناس لا يخلو ساعة من خروج المزاح عن الاعتدال خروجا ما، أو أراد سقم الموت فعبّر عنه بعبارة الحال لتحقق الوقوع، ولو أراد الحقيقة والتصريح لقال: سأسقم، أو أراد: مستعد الآن لسقم الموت بالإيمان والعبادة من الآن، أو متضرّر القلب لكفركم، وهذا من معاريض الكلام كقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا)، وقوله لسلطان في شأن سارة: إنها أختي".(3)

(1) 1 - أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب (64) الأنبياء، باب (11) قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، رقم 3179.

(2) 1 - التحرير والتنوير: 12/ 143.

(3) 2 - تيسير التفسير: 12/ 122.

٤٬٧٣٠ / ٦٬٧٦٧