نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٤١٩

(فَرَاغَ إِلَى ءَالِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلاَ تَاكُلُونَ): لقد خلا الجوّ لإبراهيم فأسرع إلى آلهة قومه، وبين يديها تلك الأطعمة التي يتبرّك بها القوم، فقال لها متهكما وهو يخاطبها بصيغة العقلاء: (أَلاَ تَاكُلُونَ)، ولكن الآلهة الصماء لم تجبه فزادها تهكما واحتقارا لأنه يعلم أنها لا تسمع ولا تنطق، فاشتد غيظه فأوسعها ضربا بيمينه يهشمها ويحطّمها قطعا قطعا إلاّ كبيرها، فقد تركه على حاله كما فصّلت ذلك سورة الأنبياء، وهكذا يشفي إبراهيم غيظه بدافع من الغيرة الدينية والإيمان الذي حرّك فيه تلك الإرادة التي لا تعرف خوفا ولا تخشى بطشا، وكان القوم قد عادوا من سياحتهم وعلموا بما حدث لآلهتهم.

(فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ، قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ، وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ): (يزفّون): بمعنى يسرعون إليه، وقد سمعوا عنه أنّه يذكر آلهتهم بسوء، والتعبير: (يَزِفُّونَ) يدلّ على إرادة الانتقام والبطش، ولكن إبراهيم واجههم برباطة جأش في سؤال إنكاري توبيخي: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ) أي تصنعونها بأيديكم ثم تعبدونها من دون الله، والحال أن الله خلقكم وخلق ما تعملون أي خلق تلك المادة التي صنعتم بها آلهتكم، والمعبود الحق يكون صانعا لا مصنوعا، إنه منطق الفطرة السليمة لا يملكون معها حجّة ولا جوابا إلاّ أن يجنحوا إلى منطق القوة والتهديد، إذ قال بعضهم لبعض: (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ)، أي اجمعوا حطبا يكون محاطا بجدار، وتؤجج فيه النار، ليلقى فيها إبراهيم على مشهد من جماهيرهم، انتقاما لآلهتهم، ولكن الله العليّ القدير عطّل في النار قوة الإحراق فكانت بردا وسلاما على إبراهيم قال تعالى: (فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الاَسْفَلِينَ).

٤٬٧٣١ / ٦٬٧٦٧