سورة الصّافّات
الجزء ١٤ · صفحة ٤٢٦(فَلَمَّآ أَسْلَمَا): لقد بلغ إبراهيم وإسماعيل الغاية القصوى في تنفيذ التكليف، فكان منهما ذلك الاستسلام لأمر الله عن رضى وطواعية ومضيا للتنفيذ، فألقى إبراهيم بولده بشدّة جاعلا جبينه على الأرض احترازا من رؤية وجهه، وما إن همّ الوالد بجرّ السكين الحادة، حتى سمع نداء الله بواسطة المَلَك بوقف التنفيذ، لأن الابتلاء قد تمّ، وقد نجحا في الامتحان، وما كان الله يريد من عباده أجسادهم ولا دماءهم، ولكن التقوى والإخلاص منهم، ثم يأتي جواب الشرط بقوله: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَّا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)، وتصديق الرؤيا يكون بتحقيقها في الواقع، وقد قام إبراهيم بكل أحداث المشهد دونما تردّد طاعة لأمر الله في التضحية بأعزّ ما يملك في رضى ويقين، فلم يبق إلا جرّ السكين لسفح الدم، فاقتضت رحمة الله أن ينتهي حدّ التكليف في ذلك، ويجازي إبراهيم جزاء المحسنين.
ثم يعدد الله ما أفاض عليه من النعم فيقول: (إِنَّا كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلآَؤُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاَخِرِينَ، سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُومِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيئًا مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ).
أ) - إنه تعالى يجازي بالإحسان إحسانا، فأشار إلى الإحسان الذي جازى به إبراهيم أنّه يجازي به كل المحسنين، فنرفع درجاتهم بالصبر والإخلاص، ونجزيهم أحسن الجزاء فيما لاقوه من الابتلاء، كما بلونا إبراهيم وإسماعيل ذلك البلاء المبين.