نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الصّافّات

الجزء ١٤ · صفحة ٤٤١

أسند النبذ، وهو الإلقاء والطرح للشيء، أسند إلى الله إسنادا مجازيا، كما أسند الإثبات، لأن الله هو الذي قدّر ذلك وسخّره ليونس إيذانا بقبول استغفاره، وقد خرج يونس من بطن الحوت سقيما بما عاناه من ظلمة ومن حرارة، واختلفت الرواية في تحديد المدة التي كانت بين إلقام الحوت ونبذه إياه في الأرض العراء، وكان من لطف الله به أن أنبت له شجرة اليقطين بأوراقها الواسعة الليّنة ليغطي جسمه وتردّ عنه الحشرات ويأكل منها حتى يتعافى أو أن الله سخر له ما يقتات به مما يلاءم سقمه من الأطعمة، كما ساق الرزق إلى مريم، ونجى الله يونس من الغمّ بعد أن أدّبه وغفر له.

أما قومه فقد رأوا بوادر العذاب الذي أنذرهم به يونس، وقد فارقهم بعد أن لم يستجيبوا، فبادروا إلى التوبة وخرجوا بأهليهم وذراريهم إلى البرية يجأرون إلى الله فكشف عنهم العذاب كما دلّ على ذلك قوله تعالى في سورة يونس: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ -امَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَآ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمُ إِلَى حِينٍ) (يونس:98).

وقوله تعالى هنا: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِاْئَةِ أَلْفٍ اَوْ يَزِيدُونَ، فَئَامَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمُ إِلَى حِينٍ)، ويرى المحقّقون أن هذا الإرسال بعد حادثة الحوت أنه إرسال ثان بعد أن كشف الله العذاب عن قومه، لأمره الله أن يرجع إليهم ليشهد على إيمانهم ويعلمهم أمر دينهم، وكانوا يزيدون عن مائة ألف؛ لأن "أو" هي بمعنى "بل" عند الكوفيين، والمقصود بالعدد الكثرة، ويفيد قوله تعالى: (فَمَتَّعْنَاهُمُ إِلَى حِينٍ) أنهم نكثوا العهد بعد ذلك، وعادوا إلى كفرهم فسلط الله عليهم من دمّرهم.

٤٬٧٥٣ / ٦٬٧٦٧