سورة ص
الجزء ١٤ · صفحة ٤٦٨فهم بهذه المقولة لا يجيزون أصل الرسالة من الله، بل هم منكرون لها أصلا، ولذلك جاء الإضراب بقوله تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَاب)، "بل" للإضراب الإبطالي ليفضحهم الله بأنهم لا يقصدون الطعن فيمن يخصّه الله بالرسالة وإنما هم شاكون أصلا في إمكانية إنزالها، لأنهم لم يذوقوا عذاب الله بعد، وغرّهم ذلك الإمهال، إذ كان من واجبهم أن يتدبروا القرآن ويعملوا أنظارهم في معانيه كما وصفه الله بأنه ذو الذكر، فلو فعلوا ذلك لما تفوّهوا بمقالتهم تلك في شأن رسول الله.
وفي قوله تعالى: (بَل لَّمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) تهديد، و"لما" هي للنفي كـ"لم"، إلا أنها تختصّ بنفي الحدث إلى زمن التكلّم. فيفهم من ذلك ترقب حصول النفي بعد ذلك -أي بعد زمن قريب- وفي ذلك من التخويف والإنذار ما يدفعهم لاستبصار الحق وترك العناد، إذ لم تجد معهم الحوارات الكلامية والحجج العقلية.
ثم أجاب الله على منازعتهم إياه في أن يختار لرسالته من يشاء من عباده فقال: (أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ)، "أَمْ" للإضراب الانتقالي من موضوع إلى موضوع وهي تحمل معنى الاستفهام على معنى: بل أعندهم؟، أي ليس لهم شأن بتصرفات الله في خزائن ملكه فهو الغنيّ الوهّاب، وهو العزيز الغلاّب، يهب ما يشاء لمن يشاء وفق حكمته وإرادته، لا يحتاج إلى أوصياء على ملكه ولا إلى مستشارين في تدبير شؤون خلقه فأنّى لهم أن يقترحوا شيئا على الله وهم من جملة خلقه وعباده، وهذا كقوله تعالى: (اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ) (الزخرف:32). وقوله: (أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور:37).