سورة ص
الجزء ١٤ · صفحة ٤٨٦(إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ): (إِذْ دَخَلُوا): بدل من: (إِذْ تَسَوَّرُوا)، فدلّ على أن تسوّر الخصمين للسور كان لغرض الدخول على داود في خلوته، ففزع منهم. والربط بالفاء يدلّ على الفزع التلقائي الذي حدث لداود بمجرّد أن رآهم، وكان مستغرقا في عبادته، وهذا الانفعال النفسيّ أمر طبيعيّ في الإنسان عند المواقف المباغتة فلا يتنافى مع كمال النبوءة كما يرى البعض ذلك، لأنه تعالى أمرنا بالحيطة والحذر، وأن نحافظ على حياتنا بكل الوسائل الممكنة وقال: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمُ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195). فإذا كان ذلك مطلوبا من الناس العاديين، فكيف بمن هو في المنزلة الرفيعة لحياة الأمة كالأنبياء والرسل، وحق لداود عليه السلام أن يفزع وقد أفسد الخصمان عليه خلوته، وهو الذي رتب حياته اليومية -كما تقول الرواية- رتبها إلى أربع حالات، فخصّص يوما للعبادة والخلوة في محرابه وكان أوابا منيبا كما تقدم، وجعل يوما لشؤونه الخاصّة في الكسب والارتزاق ومؤانسة العيال، ويوما للقضاء والفصل في الخصومات، ويوما لبني إسرائيل يرشدهم وينصحهم.
وكان مبعث خوفه أن المتسوّرين عليه يريدون به شرّا باغتياله منفردا في محرابه، كما كان شأن بني إسرائيل مع أنبيائهم، غير أن الرجلين بادرا في طمأنته بأن لا يخاف منهما، وذلك بالكشف عن حالتهما بأنهما خصمان بغى بعضهما على بعض، والبغي: هو الظلم والاعتداء على حق الغير، ويلاحظ أنهما أبهما في الطرح، إذ تركا تحديد أيهما الباغي إلى حكم القاضي عندما قالا لداود عليه السلام: (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ).
طلبوا منه ثلاثة أمور:
أ) - (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ): أي افصل في قصتنا بالحق، أي بالحكم العادل وفق ما تراه حقا على اعتباره حاكما.
ب) - (وَلاَ تُشْطِطْ): أي لا تتجاوز حدود العدل والإنصاف.