نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ص

الجزء ١٥ · صفحة ٢٨

ولهذا المعنى الذي غفل عنه إبليس، ألغى الإسلام كل الفوارق الجنسية والمادية في مجال التفاضل وجعل تقوى النفوس هو معيار التفاضل بين الناس.

(قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ): كانت إجابة الله لإبليس وقد عبّر عن خبث نفسه بادّعائه التفوّق العنصريّ على آدم طعنا في حكمة الله، وتمرّدا عن أمره، فكان جزاؤه الخروج من زمرة الملائكة، إذ لا يصلح لمخالطتهم وهم المكرمون عند الله، وعلّل ذلك الإخراج بأنّه: (رَجِيمٌ)، وهو بمعنى مرجوم بالحجارة كالكلب الضاري الحقير.

(وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ): اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وإضافته إلى ضمير الجلالة للزيادة في التشنيع، إذ يستمرّ ذلك مدّة الحياة الدنيا ثم يكون مآله ومن تبعه جهنم وبئس المصير.

(قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ):

طلب إبليس من الله أن يؤخّر أجله إلى يوم البعث، وقد علم من الملإ الأعلى أن العالم كله إلى فناء هو والخلائق كلها، فاقتضت حكمة الله أن يجيب طلبه بتأخير أجله ولكن إلى قيام الساعة عند النفخة الأولى للصعق، أي أنه يبقى ما بقي الإنسان على ظهر الأرض ليشاكسه ويغويه، كما قال تعالى له ولآدم: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الاَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ اِلَى حِينٍ) (الأعراف:24).

فلما أمن إبليس الهلاك وضمن بقاءه إلى جانب الإنسان ليواكبه في حياته إلى قيام الساعة طغى وتمرّد على الله، فأقسم بعزته وسلطانه القاهر أن يضلّ بني آدم ويغريهم بالشهوات والمعاصي: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمُ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).

٤٬٨٤٠ / ٦٬٧٦٧