نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة ص

الجزء ١٥ · صفحة ٢٩

وهذا القسم من إبليس بعزة الله القاهرة يتضمّن اعترافه بقدرة الله وأنه تعالى هو الذي أقدره على تلك الوسوسة وذلك الإغواء فقد حدّد منهجه بذلك القسم، ولكنه بعد أن أكّد إغواءه لجميع الآدميين استثنى من تيقن أنه لا يطاوعه في ذلك من عباد الله المخلصين فجعل من إخلاص العبادة لله حاجزا منيعا يحول دون إغرائه لذلك الصنف من الناس، وليس المراد أنه لا يغويهم، بل هو يترصّد الجميع بمختلف الوسائل، وقد يمسّ هؤلاء طائف من الشيطان، ولكنهم سرعان ما يتذكرون فيرجعون إلى الله بالتوبة والإنابة، فيحبطون بذلك كيده ومكره.

(قَالَ فَالْحَقَّ وَالْحَقَّ أَقُولُ، لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمُ أَجْمَعِينَ):

تكررت كلمة الحق في الآية والقائل هو الله جلّ وعلا، أكد وعده بالحق الثابت الذي لا يتخلف، فهو الحق ووعده الحق، لا يحتاج إلى قسم عليه، والجملة: (لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ) مبيّنة لذلك الوعد الحق، وجاءت مؤكدة بلام القسم والنون، بأنه تعالى سيملأ جهنم من إبليس وأتباعه، ذلك لمن طغى وآثر الحياة الدنيا، وما ربّك بظلام للعبيد. فقصة الخليقة بكل ما عرضه القرآن من تفاصيلها فإنها تبيّن حكمة الله وإكرامه لهذا الإنسان كيف خلقه وسوّاه، وكيف أرشده وهداه، فهو يعرف مصيره، وهو على أتمّ المعرفة لما يختار.

وتختتم السورة الكريمة ببيان حال الداعي وطبيعة دعوته، وعدّته الخالدة هي هذا القرآن الكريم فقال جلّ من قائل: (قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنَ اَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ).

هكذا تنتهي السورة إلى خاتمتها تنويها بشأن القرآن الكريم بأنه حق وصدق من ربّ العالمين، وأن ما يدعو إليه هو ذكر وموعظة، وبهذه الخاتمة الموجزة البليغة تتكامل السورة في بدئها وختامها.

٤٬٨٤١ / ٦٬٧٦٧