نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ١٢

للتدليل على وحدانيته وقاهريته تعالى بدأ بذكر الأدلة التي نشاهدها في العالم العلويّ من خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، فالباء للملابسة أي خلقهما بالحق والميزان الثابت، لأنه تعالى يتنزه عن اللهو والعبث، فلا شيء في خلقه يندّ عن حكمته ولا عن حسن تدبيره ونظام تسييره بما يوحى بوحدة الإرادة الإلاهية الخالقة المدبّرة فلا يزال العلم يكتشف في الآفاق القوانين الثابتة التي تنتظم الكون كله من أصغر ذراته إلى أضخم أجرامه وهي في حركة منسقة دائبة، على أن الكثير الكثير من أسرار كوكبنا الأرض الذي نعيش عليه ما يزال محجوبا عنا، فكيف بما في السماوات من الفضاء الكونّي الواسع ومما يلفت النظر من ظاهرة اختلاف الليل والنهار، ذلك التعبير الفريد من نوعه من اختيار فعل: (يُكَوِّرُ): وهو بلا شك من الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم قبل أن يهتدي الناس إلى كروية الأرض بزمن طويل، فقد جاء التعبير في الآيات الأخرى تارة "بيولج" وأخرى "بيغشى" وبالشبل بسلخ جلد الشاة، كل ذلك وفق المشاهدة البسيطة لتلك الظاهرة الطبيعية العجيبة، أما النظرة العلمية الثابتة اليوم من كروية الأرض ودورانها حول نفسها وهي متجهة نحو الشمس، لأن التكوير هو لف الشيء على جهة الاستدارة، وهل أدق من هذا التعبير القرآني في تصوير هذه الظاهرة.

(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ِلأَجَلٍ مُّسَمًّى): فللشمس مدارها –كما تقدم بيان ذلك في سورة "يس" على خلاف ما كان يعتقده العلماء أن الشمس ثابته، فإذا كان مدار القمر محدّدا معلوما عند البشر فاستطاعوا بتجديد ذلك المدار أن ينزلوا على سطحه، فإن مستقرّ الشمس الذي تجري إليه ما يزال مجهولا، غير أن الآية الكريمة تبيّن أن لكل من الشمس والقمر في حركتهما الدائبة أجلا محدّدا في علم الله ينتهيان إليه يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ولا يعلمه إلا الله تعالى.

٤٬٨٦٢ / ٦٬٧٦٧