سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ١٦ولذلك فرّع الله على تلك الأدلة قوله بصيغة الاستفهام الإنكاريّ التعجبيّ.
(فَأَنَّى تُصْرَفُونَ): أي كيف تبتعدون عن تدبّر تلك الحقائق فتؤمنون بأنه لا إله إلا هو، المعبود الحق حتى لكأنهم منقادون إلى أئمة الضلال والكفر طيّقين.
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمُم بِذَاتِ الصُّدُورِ):
الخطاب لكل البشر مؤمنهم وكافرهم يقفهم الله أمام مسؤولية أنفسهم من بعد بيان تلك الأدلة الواضحة للوحدة الإلاهية المطلقة وقدرته الكاملة، فنكون الخلائق كلها في مفرق الطريق بين الشكر والكفر، وهم على أتمّ وعي بما يختارون ويعرفون نهاية الرحلة في كل حالة، وما ينتظرهم بعد ذلك من حساب يتولاه الذي يعلم السّر وأخفى والإنسان في معبر حياته الأولى يقع في محك الاختبار كما قال تعالى: (اِنَّا خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ اَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاَم بَصِيرًا* اِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان: 2 - 3). وما الدعوة للإيمان بالله وما ينتج عن ذلك في سلوك الإنسان من العمل الصالح إلا مظهر لرحمة الله وفضله بعباده ليشملهم برعايته وعنايته دنيا وأخرى بما يوفر لهم الحياة الطيبة الهنيئة، ولعل الكثير يعتقدون أن الإيمان بالله وشكره على نعمه، أو الكفر به والجحود لنعمه ينفع الله أو يضرّه في شيء فبيّن أنه غنيّ عن العالمين، وقد تكرّر هذا المعنى في كثير من آي القرآن، وكما ثبت ذلك في الحديث القدسيّ الذي رواه الإمام مسلم: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيّا»(1).
(1) 1 - الحديث: رواه الإمام مسلم.