سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ١٧ذلك هو قدر الله الأزلي في خلقه كما قال: (هُوَ الذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّومِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (التغابن:2). ففي هذه الآية بيان لقضايا أساسية يقوم عليها الفكر الدينيّ من شأنه تقويم سلوك الإنسان إن هو آمن بها وألتزمها في حياته.
أ) - الأولى: (إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ): فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم وقد تكرر هذا المعنى في آيات أخرى. فقد جاء في سورة لقمان:
أ) - (وَمَنْ يَّشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (12).
ب) - (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:6).
ج) - (قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40).
ب) - الثانية: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ): فالله لكما له المطلق في ذاته وصفاته لا يرضى لعباده الكفر والجحود والعصيان، بل ويكره ما دون الكفر من الكنائر، ومن كل ما يدنس النفس من صفات النقص، إذ مكن الإنسان من ذلك بما منحه من الإرادة الحرة، ومن التمييز العقلي بين الحق والباطل وبين الشر والخير، كما قال تعالى بعد نهيه عن التكبّر والاختيال. (كُلُّ ذَالِكَ كَانَ سَيِّئَةً عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) (الإسراء: 38).
ج) - الثالثة: قوله: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ): فقد قابل الله الكفر بالشكر لأن حقيقة الشكر هو الإيمان بالله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وليس هو مجرّد النطق باللسان بالحمد والثناء لله، وإن كان ذلك من مشمولات الشكر ثم إن الرضى والسخط انفعال نفسّي والله منزه عن ذلك وإنما المقصود منهما لازمهما من الثواب والعقاب.