سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٢(لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ): اللام للعاقبة فيها معنى التعليل لجعله أندادا لله، فهو إمّا ضال بنفسه أو مضلّ لغيره بسوء سلوكه وفي كلتا الخالتين جاء التهديد الربّاني بقوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً اِنَّكَ مِنَ اَصْحَابِ النَّارِ): الخطاب لرسول الله وإفراد الضمير في قوله: (تَمَتَّعْ): على اعتبار لفظ الإنسان والأمر للإمهال والتهديد، والتمتع القليل على اعتبار متاع الدنيا بأنه قليل بالقياس إلى ما ينتظر المجرمين من العذاب المقيم في الآخرة، وكفى بالموت مقللا لمتاع الدنيا مهما كان واسعا، وكفى بالنار مصيرا لأولئك الجاحدين المخلدين فيها، وقد تكرر في القرآن الكريم معنى هذه الآية بأساليب وبأمثال مختلفة، أشهرها قوله تعالى:
أ) - (وَإِذَا مَسَّ الاِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا اَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَالِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يونس: 12).
ب) - (إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلآَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمُ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الاِنسَانُ كَفُورًا) (الإسراء:67).
(أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ -انَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ): تتضمّن السورة الكريمة كثيرا من المقابلات بين أصناف الناس توضح سرائرهم وتبيّن وجهاتهم وتقدمت أولاها في قوله تعالى:
(إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى):
وفي هذه الآية مقابلة ثانية حذف معادلها إذ هو مفهوم من السياق، وكثيرا ما يحذف ذلك المعادلة لغرض بياني في الأداء البليغ.