سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٢٤(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعْلَمُونَ وَالذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ): تكرر أمر الله لرسوله بالقول للإهتمام بما يقال بعده، وجيء: "بهل" لإثبات عدم المساواة بين العلماء والجهلاء فلا يستوي الفريقان كما لا يستوي الصنفان الأولان، لأن العلم الحقيقي هو الذي يؤدي إلى معرفة الله، وينير البصيرة فتنسجم مع الوجود كله في الخضوع لله والتطلع إلى رحمته وفضله واستشعار الحذر والخوف من الآخرة، فهذا هو العلم الأصلي الذي يؤدي إلى خشية الله وطاعته كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ) (فاطر: 28). وأما العلم الذي يقتصر على معرفة ظواهر الأشياء، وينتهي عند التجربة المشاهدة دونما تعمق إلى معرفة الحقائق الكونية الكبرى، فهو العلم السطحّي الذي لا ينير بصيرة ولا يستجيش عاطفة، وهو الذي قال الله في شأنه: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الاَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7). والذي يرجح هذا المعنى للعلم المراد من الآية هو التعقيب بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الاَلْبَابِ): أي أنهم يدركون بعقولهم حقائق الأشياء وتجرى أعمالهم وتصرفاتهم وفق ما يعلمون، فهؤلاء لا يستوون مع الذين لا يعلمون، فهم يخبطون خبط عشواء، وتختلط عليهم الأشياء، فلا يهتدون إلى مراقي الكفالات الإنسانية، بل يبقون في الدركات المنحطة من الزيغ والضلال، وحسبهم من ذلك ما يتوهمونه في الحجارة من نفع أوضرّ، وقد وصف الله هؤلاء بالجهل المطبق وإن كانوا على دراية ببعض المعلومات السطحية فقال تعال مخاطبا رسوله، (قُلَ اَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونَنِيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ): فالعلم الحقيقي صنوا الإيمان لأن كلا منهما نور على طريق الحق والرشاد يهتدي به السالكون والجهل والكفر ظلمة وموت معنويّ قال الشاعر: