نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ٢٩

وأمام ضعف الإنسان وقصور الكثيرين عن بلوغ مقامات الإحسان، يتبع الله أمره لعباده بالتقوى وعده لهم بالجزاء الجزيل، ويذكر لذلك حسنة الدنيا يخصّصها لهم جزاء إحسانهم، وجاءت كلمة: (حَسَنَةٌ): نكرة للتفخيم والتعظيم، ويجوز أن تكون الجملة كلها في مقام التعليل للأمر بالتقوى ويتردد متعلق قوله: (فِي هَذِهِ الدُّنْيَا): أن يتبع قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا): فتكون: (حَسَنَةٌ): هي ما يلقاه المتقون في نعيم الجنة، وإما أن يكون المتعلق هو: (حَسَنَةٌ): فيكون المعنى: "لهم في هذه الدنيا حسنة": والذين قالوا بهذا التفسير ذكروا أنها الصحة والعافية، ويرجّح المحققون الاحتمال الأول لأن ذلك هو ما يليق بكمال الآخرة ودوامها، وأما الدنيا فمتاعها قليل ومنقطع ولأن نعم الدنيا قد ينالها الكفار والأشرار. قوله تعالى: (وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ): معطوف على الجملة السابقة وفيه إيحاء بالهجرة في الأرض لأولئك الذين فتنوا في دينهم، وإن كانت الجملة جرت مجرى المثل، فإن فيها تحريضا واضحا على الهجرة في سبيل الله تمهيدا لأمر لرسول الله بالهجرة من مكة إلى المدينة المنوّرة، علما بأن السورة مكية وأن المسلمين يعانون من أذى المشركين ومكرهم ما يجعل الكثيرين منهم تقصر همته عن مقامات الإحسان، ليتحمل مفارقة الأهل والأوطان، فالأمن ورغد العيش ليس مقصورا على مكان معيّن والهجرة دأب الأنبياء والصالحين، وليس من شأن المؤمن أن يقيم على الضيم ويرضى بالمهانة في دينه، وقد ندّد الله على المستضعفين في الأرض بعدهم هجرتهم إلى أرض أخرى حيث تستقيم عبادتهم وتتضاعف حسناتهم فقال: (أَلَمْ تَكُنَ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) (النّساء:97).

٤٬٨٧٩ / ٦٬٧٦٧