نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ٣٣

قدم لفظ الجلالة مفعولا به على عامله: (أَعْبُدُ): لإفادة الحصر، تأكيدا للإعلان السابق في تركيز معنى الإخلاص في العبادة لله وحده، وليفرّع عليه قوله: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ): الأمر للتفريع والتهديد بعد أن بلغ الأمر بالإخلاص في عبادة الله منتهاه وكلهم الله إلى أنفسهم في ما يختارونه، غير أنه سدّ الأبواب أمامهم لكل مساومة يحاولونها مع رسول الله، فهو تاركهم إلى ما اختاروه عن هوى وضلال، غير أنه تعالى أردف على ذلك بيان العاقبة السوأى على ذلك فقال:

(قُلِ اِنَّ الْخَاسِرِينَ الذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ):

قل أيها الرسول لأولئك الذين اختاروا طريق الكفر والضلال إنكم وقعتم في أعظم خسارة، إذ خسرتم أنفسكم أولا بتعريضها إلى العذاب الأبدي وخسرتم أهليكم ثانيا، إذ حرمتم الأنس بهم، لأنهم إما أن يكونوا من أهل الجنة، فهم لا يكونون معكم، وإن كانوا من أهل النار مثلكم فسيبرءون منكم ويكونون لكم أعداء لقوله تعالى: (الاَخِلآَّءُ يَوْمَئِذِم بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلاَّ الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67).

وللتأكيد على فظاعة ذلك الخسران قال تعالى: (أَلاَ ذَالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ): صدّرت الجملة الاسمية بأداة التنبيه: (أَلاَ): داخلا على اسم الإشارة وبعده ضمير الفصل: (هُوَ): المفيد للقصر مع تعريف المسند والمسند إليه، فدلّ بذلك على أنه خسران عظيم:

(لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ): الظلل: جمع ظلة وهو ما ظلل وستر وهي استعارة لطيفة النار التي تعلو أهل النار وكون ظلل النار من فوقهم ومن تحتهم يراد به إحاطة النار بهم من كل مكان، وهذا نظير قوله تعالى:

٤٬٨٨٣ / ٦٬٧٦٧