سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٥هـ) - (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمُ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ):
والقشعر برة هي تغيّر وانكماش يحصل في جلد الإنسان فتأخذه رعدة بمشاعر الخوف في النفس، وتلك حالة تعتري المؤمن حين يسمع القرآن يتدبّر وإمعان فيمرّ بما يدلّ على جلال الله وعظمته، أو يمرّ بآيات فيها ترهيب ووعيد إذ تتجاوب قلوبهم وتنفعل بمشاعر الخشية والخوف، وتظهر آثار ذلك على جلودهم كما يتركز فيها من أعصاب الإحساس لأن مشاعر الخشية من عذاب الله وسخطه تثور في قلوبهم حين تتوارد عليها سوابق معاصيهم لربهم ولكنهم عندما تسكن نفوسهم بذكر الله ورجاء رحمته ومغفرته فإن الطمأنينة تغمرهم فيزدادون إيمانا ويقينا بربهم فتلين بذلك جلودهم وتطمئن قلوبهم، ذلك لأن القرآن كلام الخالق العظيم.
ولمكانة القائل في نفس السامع أثر بليغ في التأثير فالقائل هو الله والواسطة جبريل عليه السلام والمبلغ هو الرسول المعصوم، والمستمع مؤمن وفيّ قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمُ ءَاياتُهُ زَادَتْهُمُ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2).
وختم الله التنويه بشأن القرآن بقوله: (ذَالِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ):
في الإشارة: "بذلك" احتمالان: إمّا أنها إلى قوله: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ): أو إلى قوله: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ): أي تأثر المؤمنين بهدي القرآن، لأنه تعالى جعله سببا لذلك التأثر بما يحمله من وسائل الهدى، فيكون التوفيق من الله وفق توجّه المؤمن وإختياره، ومن جعل قلبه قاسيا بالكفر والعناد واختار سبيل الضلال فإنه تعالى يحكم عليه بذلك، فلا هادي له بعد الله.