سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٤٦(اَفَمَنْ يَّتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ):
فرّع الله على قوله: (وَمَنْ يُّضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ): هذا الاستفهام الإنكاريّ الذي يفيد التقريع لمن ضلّ فاختار سبيل الكفر إذ يواجهه عذاب جهنم فلا يكاد يتقيه، إلا بوجهه الذي هو واجهة الحراس لدى الإنسان، وهو مظهر عزه وكرامته، والناس يتمايزون بصباحة وجوههم، إذ تنعكس على صفحتها بواطن نفوسهم وطبائع أمزجتهم كما قال الشاعر:
ومن عادة الإنسان أنه يصون وجهه بيديه عند تعرضه لإذاية مّا، فإذا عجز الكافر عن اتقاء سوء عذاب جهنم بسائر جسده، فإنه أعجز أن يتقيه بصفحة وجهه، فالتعبير في الآية كناية عن العجز في اتقاء عذاب جهنم، سيما وأيديهم مغلولة، ولذلك قال تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) (المؤمنون:104).
وهذه مقابلة أخرى طوي معادلها، وتقديره كمن هو آمن في دار النعيم، كما في قوله تعالى:
(أَفَمَنْ يُّلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ اَم مَّنْ يَّاتِي ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمُ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (فصلت:40). ومع قساوة العذاب الماديّ لنار جهنم فهم يتعرضون للعذاب المعنويّ بأن تقول لهم ملائكة العذاب: (ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ): فذلك الجزاء هو بما اكتسبوه بظلمهم في الدنيا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
(كَذَّبَ الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ* فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ):