نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الزمر

الجزء ١٦ · صفحة ٥٠

(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):

بعد التنويه بشأن القرآن لاستقامة أغراضه واحتوائه على كثير من الأمثال المفيدة ضرب الله مثلا لبيان حال المشرك وحال الموحّد بعد أن قابل في أسلوب مؤثر بين من شرح الله صدره للإسلام وبين من قسا قلبه عن ذكر الله، والمثل المضروب هنا مأخوذ من واقع البيئة الاجتماعية التي كانت عليها أغلب المجتمعات قبل بعثة الإسلام التي كفلت الحرية لجميع الناس. يضرب الله المثل للمشرك المذبذب في توجّهه بين عدّة آلهة، برجل قد يكون عبدا أو أجيرا أو عاملا تابعا لعدة شركاء متنافرين متخاصمين، يتوزع بينهم فيبقى حائرا أيهما يطيع في ما يكلفه، فإن رضي عنه أحدهم غضب الآخر، فلا يستقيم له عمل ولا يقرّ له قرار، بينما يكون عبد آخر لسيّد واحد أو لربّ عمل واحد، يأتمر بأوامره، ويعرف ما يكلفه به، فهو واضح في عمله، مستقرّ في توجّهه فهل يستوي الرجلان في الراحة النفسية وفي الاستقرار العاطفي؟؟ …

إنهما لا يستويان أبدا، وذلك ما يصوّر وضعية المشرك في خيرة أمره واضطراب نفسه بين آلهة متعددة وتبدّد طاقته في ما لا يجلب له نفعا ولا يدفع ضرّا، وأما المؤمن الموحّد فهو مطمئن القلب في توجّهه إلى ربّ واحد هو مصدر وجوده وكافل رزقه وراعيه في رحلة حياته على هذه الأرض يستمدّ منه وحده العون والتوفيق يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، ويأنس بقربه في البأساء والضراء.

وبعد هذا المثال الحيّ الرائع يعقب الله بالحمد والثناء لذاته العلية إذ مخ لعباده المؤمنين السكينة والطمأنينة بنور الإيمان ثم بصيغة الإضراب الانتقالي بحرف "بل" حكم بالجهل للأكثرية المشركة الذين أعماهم التقليد والإتباع لساداتهم، فهو لا ينتفعون بضرب هذه الأمثال:

٤٬٩٠٠ / ٦٬٧٦٧