سورة الزمر
الجزء ١٦ · صفحة ٥١(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ* ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ):
بعد تلك الجولة المركزة على إبطال الشرك بمختلف الأدلة المقنعة، ودعوة المشركين إلى حسن التدبّر في القرآن لعلهم يهتدون وتفضيل حال المؤمنين في تجاوبهم مع هديه وبعد حكم الله على الكافرين بأن أكثرهم لا يعلمون، ختم الله تلك الجولة بما يعتبر تسلية لرسول الله والمؤمنين معه بإحالتهم مع خصومهم على حكم الله يوم القيامة، وبما أن الموت هو أول خطوة في الرحلة الأبدية لكل الخلائق أخبر الله بصيغة التأكيد بأن الناس كلهم صائرون إلى الموت، ولا يستثنى أحد من ذلك مهما غلا شأنه والموت هو خير ما يذكر به المفتونون بالحياة الدنيا، وقد بدأ الله الإخبار بموت رسول الله وثنى بموت بقية الخلائق بصيغة التأكيد: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ): فالمقصود بالنسبة للمسلمين هو دفع إيهامهم بأن الرسول لا يموت مغالاة منهم في فرط حبّه وتعظيمه، وأما بالنسبة للمشركين فهو للتعريض بهم إذ كانوا يتمنون موت الرسول ويقولون: (شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) (الطور:30). وحث لهم على المبادرة إلى الإيمان قبل فوات الفرصة، لأن الموت قضاء مبرم من الله على جميع الأحياء في هذه الدنيا لأنها حياة امتحان واختبار، ومن ثم فهي معبر حتمّي لحياة البقاء والخلود، ولكن الله عطف "بثم" لقيام الناس ليوم البعث والنشور للفاصل الزمني بين الموت والبعث فقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ): أي يخاصم بعضكم بعضا، وليس ذلك خاصا بالمؤمنين والكافرين بل يشمل كل أنواع المخاصمات بين الخلائق، فيخاصم رسول الله قومه و ....